أدبية و ثقافية

أدبية و ثقافية (80)

Latest News

حوار مع الشاعرة مها عفاني / خالد ديريك

الأحد, 27 آب/أغسطس 2017 00:00 تم النشر من قبل

ـ ما تزال ملامحي وصور طفولتي مرسومة على جدران روضتي في مدينة نابلس.

ـ في وقت الذي كانت بنات جيلي تلعب وتلهو، كنت أجلس تحت شجرة الليمون في ذاك البيت القديم.

ـ حرمت من بلدي فلسطين سنوات وسنوات، ولم أقم بزيارته إلا قبل أسبوع عن طريق جولة سياحية.

ـ كتبت أولى قصائدي وأنا في الصف السابع وكانت عن المعلم.

ـ أحب أن اكتب في ساعات الصباح الباكر وأنا أحاور قهوتي على أنغام فيروزية.

ـ الآن، كسرت تلك القيود وبدأت أنشر في المجلات الكترونية.

خالد ديريك: نرحب بكِ في هذه الجلسة الأدبية ونشكرك على تلبيتكِ لدعوتنا.

من هي مها عفاني. الطفلة، الأم، الشاعرة؟

مها عفاني: يسعدني ويشرفني أن انتمي إلى رابطة آرارات وأكون فرداً في أسرتكم الرائعة
وأقدم ما يسركم ويفيد:
أنا مها عفاني فلسطينية الأصل والجذور، الأردنية الجنسية والمنشأ وأفتخر بانتمائي الفلسطيني ـ الأردني
كأي طفلة فلسطينية غادرت بلدي قسراً، وما تزال ملامحي وصور طفولتي مرسومة على جدران روضتي في مدينة نابلس، محفورة في ذاكرتي.
وكأي أم ثابرت وكافحت واجتهدت حتى أربي أولادي بما يتوافق مع القيم الفلسطينية والعربية وغرست فيهم روح الانتماء للغتهم وعروبتهم ووطن يستحق أن ننتمي له، بأن يفخر بأولادنا.
منذ طفولتي أحب المطالعة، في وقت الذي كانت بنات جيلي تلعب وتلهو، كنت أجلس تحت شجرة الليمون في ذاك البيت القديم وأقرأ وأشارك في مسابقات المطالعة وأحرص على الفوز، كبرت وزاد شغفي بكلماتي والعزف على حروف أبجديتي تارةً حب وغزل وتارةً اكتب لوطني الحبيب فلسطين.

خالد ديريك: متى كانت أولى وآخر الزيارة لكِ إلى فلسطين؟

 مها عفاني: بلدي فلسطين حُرمت منه سنوات وسنوات، ولم أقم بزيارته إلا قبل أسبوع عن طريق جولة سياحية، ردت لي روحي، واسترجعت طفولتي، وعدت بجمال روح، مشغوفة، تتدفق حباً وجمالاً وتذرف الدموع على الحال المؤلم هناك، حبي لفلسطين وروحي التي تسكن بيارتها وأشجار الزيتون والزيزفون وعشقي للياسمين الذي تسلق جسدي جعلني اكتب وأحلم بالعودة لذاك الوطن الدافئ واتمنى لو أعود!

خالد ديريك: كيف تولدت أولى قصائدك؟

مها عفاني: كتبت أولى قصائدي وأنا في الصف السابع وكانت عن المعلم في إحدى الاحتفالات. 
أعجبت بها معلمة اللغة العربية وعندما قرأت كتاباتي المتواضعة آنذاك شجعتني وقبلتني، وكأنها قدمت لي نجمة من السماء أضاءت دربي.

خالد ديريك: هل لديك طقوس خاصة أثناء الكتابة؟

مها عفاني: أحب أن اكتب في ساعات الصباح الباكر وأنا أحاور قهوتي على أنغام فيروزية، مع خيوط الشمس الأولى قبل أن تعج الشوارع بالمارة.
استمد كلماتي من قطرات الندى الأولى، ومن نسائم الفجر الأولى المحملة بعبق الياسمين ووشوشة الكنار.

خالد ديريك: هل أنت كأنثى، لجمتك العادات والتقاليد الاجتماعية عن الإبداع؟

مها عفاني: طبعاً كأي انثى في المجتمعات الشرقية واجهت استنكار من حولي والطلب بالتوقف عن الكتابة، الأمر الذي اضطرني أن أجمع قصائدي في كتيب باسم مستعار أثناء دراستي في الكلية وطبعاً تمت سرقته وذهبت كتاباتي أدراج رياح الخريف وأخفيت ما اكتب من حب وغزل حتى عن نفسي!

خالد ديريك: كيف هي أجواء الثقافة والأدب في الأردن؟

مها عفاني: للأسف المدارس في الأردن لا تتابع المواهب والإبداعات إلا في وقت احتفال ما، ثم تتركها على الرفوف أو تحتاج واسطة كَيد تمد المساعدة وهذا ما افتقدته ولم أسعى إليه.

خالد ديريك: إذا كنتِ ترين نفسك منتمية إلى إحدى المدارس الشعرية، فما هي تلك المدرسة؟

مها عفاني: أنتمي للشعر الرومانسي
وكتابات الواقعية تحلق في عالم الخيال

خالد ديريك: هل تكتبين في الدوريات والصحف الورقية والكترونية؟

  مها عفاني: للأسف، لأن كتاباتي رومانسية، القيود الشرقية منعتني من نشر ما اكتب في المجلات والجرائد، إلا أنني الآن كسرت تلك القيود وبدأت انشر في المجلات الكترونية.

خالد ديريك: ما هي طموحات وأحلام الشاعرة مها عفاني؟

مها عفاني: كأي شاعر/ة اطمح أن أطبع أشعاري وكتاباتي في كتاب خاص بِـ مها عفاني وأن يعلو صوت حروفي، يهز المشاعر والوجدان دون خوف أو الاعتبارات الباليه التي سرقت من عمري الكثير.

في النهاية، كل الشكر للشاعرة مها عفاني على هذا الحوار الجميل ونتمنى لها كل التوفيق والنجاح.

حاورها: خالد ديريك

رابطة آرارات الثقافية

نوفمبر 22, 2016

كُتَّاب القِصَّة القَصِيرَة والقَصِيرَة جِدَّاً- الجزْء الثَاني (31) القسم (1) ( مُضَافاً إِلى ذَلِك فَنّ التَأْلِيف المَسْرَحِيّ وكُتَّابَهُ ، وأَدَب الطِفْل) - إِعْداد وتَقْديم: شذى توما مرقوس

الجمعة, 25 آب/أغسطس 2017 00:00 تم النشر من قبل

الخميس 1 / 5 / 2014  ــ والعَمَل مُسْتَمِّر

 طَابِع المَوْضُوع :

بِطاقَة تَعْرِيفِيَّة بِكُتَّاب وكاتِباتِ القِصَّة القَصِيرَة والقَصِيرَة جِدَّاً، والفنُون المَسْرَحِيَّة، وأَدب الطِفْل مِنْ الوَسَطِ المَسِيحيّ العِراقيّ.

 

عزِيزَاتي، أَعِزَّائي مِنْ القَارِئاتِ والقُرَّاء، سنَقْرأُ هذِهِ المَرَّة في مَسْرَحِيَّة (غُفْران الأَمير) لِلخُوري حنا رحماني، وأَتَقَدَّمُ بِخالِص شُكْرِي وتَقْديري للأَخ باسم روفائيل، والَّذِي لَوْلا تَعاونَهُ المُخْلِص، الدَؤوب والمُسْتَمِّر، لَما رَأَى هذَا المَوْضُوع النُور على هيْئَتِهِ هذهِ، تَمنِّياتي لَهُ بِكُلِّ الخَيْر والتَوْفيق.

   كُلّ الشُكْر لِلمُتَابِعاتِ والمُتَابِعين.

د ــ كُتَّاب القِصَّة القَصِيرَة والقَصِيرَة جِدَّاً والفنُون المَسْرَحِيَّة وأَدب الطِفْل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حنا رحماني (1891م ــ 1969م)

مُقَدِّمَة ( بِقَلَم: شذى توما مرقوس) / 

.... تَحِية لِلقَارِئاتِ والقُرَّاء، أَحِبَّتي تَرَوْنَ أَعْلاه قَدْ سَجَّلْتُ إِنَّ المَوْضُوع هو مِنْ إِعْدَادِي وتَقْدِيمي، وأَودُ أَنْ أُوضِّحَ ما قَصَدْتهُ بِالكلِمَتينِ مَنْعاً لأَيِّ الْتِبَاسٍ في المَعاني.

إِنَّ المَوْضُوع مِنْ إِعْدَادِي كوْنِي بَذَلْتُ جُهْداً كبِيراً في تَقْدِيمِهِ إِليْكم/ نَّ على هذِهِ الشَاكِلَة حَيْثُ بَحثْتُ في المَصَادِرِ حَتَّى حُزْتُ علَيْهِ، فقُمْتُ بِإِعادَةِ كِتَابَةِ المَسْرَحِيَّة (غُفْرانُ الأَمِير) كامِلاً على الكومبيوتر بِنِظامِ الوورد، وما أَعْنِيهِ بِإِعادَةِ كِتَابَتِها هو نَقْلَها كامِلاً كمَا هي دُوْنَ  تَحْرِيفٍ أَوْ تَغْيِير مِنْ المَصْدَر الَّذِي حُزْتُ علَيْهِ (جَرِيدَة المَشْرِق) بِرَوابِطِهِ الثَلاثَة حَتَّى يَسْهلُ علَيْكم/ نَّ قِراءَتَها ومُتَابَعتَها، حَيْثُ يَصْعُبُ ذَلِكَ بَعْض الشَيْء مِنْ المَصْدَرِ الأَصْلِيّ والمُدَوَّن رَابِطه في المَوْضُوع....

لكِنَّ كُلّ ذَلِك ما كانَ لِيَتِمُّ على هَيْئَتِهِ المُقَدَّمَة إِلَيْكم/ ن لَوْلا جهُودُ الأَخ باسم روفائيل حَيْثُ اعْتَنَى بِالأمُورِ التَقَنِيَّةِ لِلكُومبيوتر، إِذْ قَامَ بِتَحْرِيرِ المَوْضُوع مِنْ الرَوابِطِ الثَلاثَة اسْتِجابَةً لِطلَبِي، ثُمَّ أَعادَ إِرْسَالَها إِليّ على شَكْلِ صُورٍ لِلصَفَحَاتِ، قُمْتُ بِتَخْزِينِها في أَرْشِيفي على الكُومبيوتر، ثُمَّ قُمْتُ بِتَكْبِير كُلِّ صَفْحَةٍ لِوَحْدِها بِحَجْمِ (A4) ثُمَّ اسْتَنْسَخْتُها لِتَتَحوَّلَ إِلى كِتَابٍ اسْتَطيعُ تَقْلِيبَ أَوْرَاقِهِ صَفْحَةً صَفْحَة بَيْنَ يَديّ (مَجْمُوعُ الصَفَحَاتِ 39 صَفْحَة لِلرَوابِطِ الثَلاثَة) ، بَعْدَ ذَلِكَ وبِمُسَاعدَةِ الكِتَاب الَّذِي بَيْنَ يَديّ أَعَدْتُ كِتَابَةَ المَسْرَحِيَّة على الكُومبيوتر، ثُمَّ  اجْتَهدْتُ في وَضْعِ الحواشِي في نِهايَةِ المَوْضُوع بِخصُوصِ الأَبْيَاتِ الشِعْرِيَّة فذَكرْتُ قَائليها مِنْ الشُعرَاء، وتَبِعْتهُ بِجَدْولٍ أَوْرَدْتُ فيه المَعاني لِبَعْضِ الكلِمَات الوَارِدَة تَوْفِيراً لِوَقْتِ وجُهْدِ القَارِئ/ة (وهذِهِ الحواشي لَمْ تَكُنْ مَوْجُودة في المَسْرَحِيَّة، وإِنَّما حَرَصْتُ على تَقْدِيمِها لِلمُتابِعين والمُتَابِعات مِنْ جُهدِي الخاصّ للاطِلاع علَيْها والمَعْرِفَةِ بِها).

اسْتِجابَةً لِطلَبي قَامَ الأَخ باسم روفائيل بِدَمْجِ كُلِّ صَفْحَتينِ سَوِيَّة لِتَبْدُو في إِطارٍ واحِدٍ لأَجْلِ عَرْضِها في المَوْضُوع وبِالشَكْلِ الَّذِي تَرَونهُ أَمامَكُم، تَقْلِيلاً لِلمسَاحةِ المَطْلُوبَةِ لِلنَشْرِ إِضَافَةً لِتَقْلِيصِ حَجْمِ ميكابات الصُورِ (الصَفَحَاتِ) لِلحَدِّ الأَدْنَى، إِضَافَةً لِذَلِكَ قُمْتُ بِمُرَاجعةِ جَمِيعِ الأَبْيَاتِ الشِعْرِيَّة المَوْجُودَة في المَسْرَحِيَّة بِمُقَارنَتِها بِالقَصائدِ الأَصْلِيَّة لِلشُعرَاء (النابغة الذبياني، أبو أذينة اللخمي، أوس بن حجر، عمرو بن كلثوم، عنترة بن شداد، الحارث بن عباد، ابن سناء الملك، زهير بن أبي سلمى، أبو العتاهية، ابراهيم بن المهدي، السمؤال بن عادياء، علي بن أبي طالب، المهلهل بن ربيعة، ابن معصوم المدني).

سَبَبُ كُلّ الجُهْدِ الَّذِي بَذَلْتُهُ هو لِيُطْلِع المُتَابعِين والمُتَابِعات على إِرْثٍ قَدِيمٍ، فأَثَرْتُ أَنْ يَكُونَ أَمَامَ مَنْ يَرْغَبُ عِلْماً بِهِ ومَعْرِفَةً فيما كانَ يُنْشَرُ آنذَاك مِنْ مُحاولات.

رَأْيي الشَخْصِيّ في المَسْرَحِيَّة:

تَتَكوَّنُ مَسْرَحِيَّةُ (غُفْرانُ الأَمِير)  مِنْ أَرْبَعةِ فصُولٍ، الفَصْلُ الأَوَّل بِتِسْعةِ مَشَاهِد، الثَاني بِعشْرَةِ مَشَاهِد، الثَالِث عشْرَة مَشَاهِد أَيْضاً، أَمَّا الفَصْلُ الرَابِع فبِثَمانِيَة عشَرَ مَشْهداً.

فِكْرَةُ المَسْرَحِيَّة جيّدَة لكِنَّ الحبْكة لَمْ تَسْتَوِ بِالشَكْلِ المَطْلُوب وبِحاجَةٍ إِلى المَزِيدِ مِنْ الاشْتِغالِ علَيْها.

مَشْهَدُ النَابِغة الذبياني وثعلبة والاسود (المَشْهَدُ الرَابِع مِنْ الفَصْلِ الثَاني/ الرَابِط الثَاني) لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ ضَرُورَة، وغِيَابهُ أَوْ وجُودهُ لا يُؤَثِّرُ في سَيْرِ أَحْدَاثِ المَسْرَحِيَّة.

لا أُوافِقُ مُؤَلِّف المَسْرَحِيَّة على تَصَرُّفِهِ في بَعْضِ الأَبْيَاتِ الشِعْرِيَّة لِلشُعرَاءِ، ورُبَّما كانَ مِنْ الأَفْضَلِ لَوْ كتَبَ المَقَاطِع الشِعْرِيَّة لِلمَسْرَحِيَّة بِنَفْسِهِ خصُوصاً وإِنَّه شَاعِر، مِثَال:

قَوْلُ الشَاعِر أوس بن حجر:

ورثنا المجد عن آباءِ صدقٍ ....... أَسأنا في ديارِهمُ الصنيعا

إذا الحسبُ الرفيعُ تواكلتْهُ ..... بُناةُ السوءِ أوشكَ أنْ يضيعا

فتَصَرَّف فيهِ مُؤَلِّفُ المَسْرَحِيَّة بِالشَكْلِ التَالِي: 

ورثنا المجد عن آباء صدق ..... ونورثه إذا متنا بنينا

نُبْذَة عَنِ الخُورِي حنا بهنام رحماني (1891 م ــ 1969م)

ولِدَ في المَوْصِل.

دَرَسَ في مَعْهدِ مار يوحنا الحبِيب في المَوْصِل.

في عام 1905م رَحلَ إِلى ديْرِ الشُرْفَة بِلُبْنَان، ثُمَّ انْضَمَّ إِلى الاكْلِيركِيَّة اليَسُوعِيَّة في بَيْرُوت، ودَرَسَ هُنَاكَ الفَلْسَفَة واللاهُوت حَتَّى عام 1912م.

عُيّنَ أُسْتَاذاً لِلفَلْسَفَةِ في دَيْرِ الشُرْفَة.

في عام 1916م وبِرِعايَةِ البَطرِيرك أفرام رحماني رُقِيَّ إِلى المَرْتَبَةِ الكهَنُوتِيَّة، وعادِ بَعْدَها إِلى المَوْصِل وعُيّنَ مُشْرِفاً على إِدارَةِ مَدْرَسَةِ الطاهِرَة فيها.

في عام 1932 م عُيّنَ أُسْتَاذاً لِلعرَبِيَّة في مَدْرَسَةِ اليَسُوعِيّين في بَغْدَاد.

كانَ يُتْقِنُ الفَرَنْسِيَّة والانْكلِيزِيَّة.

نَشَرَ العدِيدَ مِنْ البحُوث في صَحَافَةِ المَوْصِل، كمَا كانَ يَكْتُبُ الشِعْر، وعُرِفَ بِمَوْهِبَتِهِ في الوَعْظِ والخِطابَة.

مِنْ مُؤَلَّفَاتِهِ المَطْبُوعَة: مَسْرَحِيَّة (غُفْرانُ الأَمِير) في بَيْروت عام 1937م، وكانَ قَدْ سَبَقَ نَشْرها في مَجَلَّةِ (المَشْرِق) اللُبْنَانِيَّة.

المَصْدَر: مِعْجمُ الأُدَبَاءِ مِنْ العَصْرِ الجاهِلِيّ حَتَّى عام 2002 م / الجِزْءُ الثَانِي

الرَابِط:

https://books.google.de/books?id=d3RLCwAAQBAJ&pg=PT278&lpg=PT278&dq

=%D9%85%D8%B3%D8%

//////////////////////////////

الرابط الأول

مسرحية ( غفران الأمير ) ــ حنا رحماني

منشورة في مجلة المشرق اللبنانية

من صفحة 221  إلى صفحة 230

العدد 3

في 1 / مارس / 1923م

الرابط:

http://archive.sakhrit.co/newPreview.aspx?PID=2244473&ISSUEID=8685&AID=177929

 

////////////////////////////////////////

غفران الأمير

مأساة نثرية ذات أربعة فصول يتخللها شعر قديم

بقلم:

مدير مدرسة الطاهرة للسريان الكاثوليك في الموصل القس حنا رحماني

هذهِ رواية تاريخية أدبية جرت نحو العام  491 بعد المسيح في الحيرة وذلك على إثر كسرة النعمان ملك غسان وأمرائه غلبهم ملك الحيرة الاسود بن المنذر وأتى بهم أسرى إلى قصره.

وكان للاسود ابن عم اسمهُ أبو أُذينة فقام يُغري الاسود على قتل هؤلاء الأسرى وخصوصاً النعمان لأن هذا كان قد قتل أخاً له.

والقصيدة التي قالها ابو اذينة بهذا الخصوص شهيرة تُعدُّ من أبلغ آثار الخطب الحماسية التي خلفها لنا العرب قبل الإسلام وهذا مطلعها:

ما كلُّ يومٍ ينالُ المرء ما طلبا ...... ولا يسوغه المِقْدَار ما وهبا

وقد أُضيفت إلى الحادث الأصلي بعض المرويات تحسيناً للرواية دون أن تخرج من حدود الإمكان وإن لم تذكره الكتبة ، من ذلك حيلٌ استنبطها أبو أُذينة لقتل النعمان وفرضُ ابنٍ للنعمان يخلفه بعده عند الاسود ثم يغفر لقاتل أبيه عند قبره.

ثم إننا اعتماداً على ما للمؤلف من الحقوق على تقديم وتأشير اشخاصهِ أدرجنا في الرواية دوراً للشاعر الشهير النابغة الذبياني، وقد كان لهُ علاقات مع ملوك غسان إذ ألتجأ إليهم يوم هجم عليهم كسرى ملك العجم.

ويتخلل الرواية كثير من الشعر الجاهلي القديم وشيء من الشعر الحديث تصرفنا ببعض أبياتها وفقاً لمواقف الرواية.

الممثلون :

الاسود بن المنذر ملك الحيرة

نُمير ( ابنه الأكبر )

المنذر ( ابنه الأصغر )

ثعلبة ( أبو أُذينة ) هو ابن عمه ووزيره

كليب ( خادم ثعلبة وصاحبُ سرِّهِ )

سيّاف ــ مغنٍ ــ خادم ــ أعوان 

النعمان ( ملك الشام الغسّاني )

جليل ( ابنه )

النابغة الذبياني ( الشاعر الشهير )

تُبع ( ملك حمير محالف للنعمان )

كل الرواية تجري في ساحة أمام قصر الاسود.

الفصل الأول /

المقدمة

( المشهد الأول )

الاسود وثعلبة

ثعلبة :

ما كلُّ يومٍ ينالُ المرءُ ما طلبا ...... ولا يسوغه  المِقْدَارُ ما وهبا

واحزمُ الناس مَنْ إن فرصةٌ عرضتْ ..... لم يجعل السبب الموصول مقتضبا

قتلت عمراً وتستبقي يزيداً  لقد ..... رأيت رأياً يجرُّ الويلُ والحربَا ( 1 )

لقد قلنا أيها الملك الجليل يوم رجعت من كسرة آل غسّان : ضربهم ضربة قاضية، على أن توانيك في قتل أميرهم وعُمدتهم النعمان أوقعنا في حيرة عظيمة... قتلت سلفهُ الحارث فعليك الآن بالنعمان وامرائهِ

الاسود: أتظنُ يا ابن العم إن أبطائي عن قتل من أَسرتهم من آل غسان هو عجزٌ أو رهبٌ

ثعلبة : فأيُّ شيء إذاً هو ؟

الاسود : منذ وطيء النعمان داري ورأيتُ ما حلّ بهِ من الذُل دقّ قلبي لكسرةِ قلبهِ وزال مني ما كان فيّ من البُغض لهُ ولآلِ غسّان

ثعلبة : ومن يقول لك أنه لا يرتدي بظواهرِ التذلل مراء رجاء أن تطلق سبيله فيرجعُ عليك بما لستَ لهُ كفوءاً من كتائب كثيفة وجنود مجندة

هُم أَهلة غسّان ومجدهُم ... عالٍ فإن حاولوا مُلكاً فلا عجبا ( 2 )

الاسود : حديث خرافةٍ يا أبا أُذينة ... أَهَلْ من نهضةٍ لآل غسان بعد هذهِ الكبوة ، فقد كسرتُ جناح طائر سعدهم

ثعلبة : الحذر كل الحذر أيها الملك من نهضةٍ مريعة بعد كسرتهم هذهِ فإن ما نعهده في آل غسان من الحقد والضغينة إنما هو كالجمرة تحت الرماد

وإنَّ الضِّغْنَ بعد الضِّغْنِ ينشر .... عليك ويُخْرِجُ الدَّاء الدفيْنَا ( 3 ) 

فإن لم تُبِدْهم عن بكرةِ أبيهم لا يقرُّ لهم قرار قبل أخذهم بثأر من قتلناهم من بني جلدتهم ... وأنت تعلم بلاءهم في الحروب

الاسود : وأنى يتسنى لهم ذلك بعد أن أكون قد ثقلتُ عاتقهم بفديةٍ يرزحون تحت عبئها ، وبخراجٍ يؤدونه لي كل سنةٍ في أوانه

ثعلبة : ( بتهكم ) أجل بفديةٍ من خيلٍ وأبل

أيحلبون دماً منّا ونحلبهم ... رسلاً لقد شرّفونا في الورى حلبا

علام تقبلُ منهم فديةً وهُمُ ... لا فضةٌ قبلوا منّا ولا ذهبا ( 4 )

أتذكرُ وقعتنا الأخيرة يوم أسروا منّا مئة رجل فقتلوهم رافضين ما قدّمنا لهم من الفدية ، أتذكرُ يوم أسروا ابن عمك هماماً أخي ففتكوا بهِ فلم تصدّهم غضاضة شبابه ولم يردَّهم عنهُ انتسابه إليك أنت الملك

فليس يظلمهم من راح يضربهم ...بحدّ سيفٍ به من قبلهم ضربا ( 5 )

الاسود : إن تأثرك يا ثعلبة من قتل أخيك هٌمام يدفعك إلى إغرائي بهم، على أن الملوك لعلو مقامهم تمتدُ أنظارهم إلى بُعدٍ ويرون الأشياء أحياناً على خلاف ما تراها الرعية... أو نسيتً أيضاً إن بني غسّان في تلك الموقعة عينها التي ذكرتها أسروا ابني نُميراً فلم يُلحقوا به أذىً ، بل أرسلوهُ إليّ سالماً (يخرج).

( المشهد الثاني )

ثعلبة وحده

ثعلبة: (ينظر من حيث خرج الاسود) ، إذهبْ يا أبن المنذر لقد وجدت جواباً على كل ما قلتهُ لك .... ولكنْ هيهات أن أقتنع بقولك ، هيهات أن أكُفَّ عن طلب ثأري بأخي ، فلعمري لا أنفكُ ولا أصمت حتى يكون لكلامي وقعٌ ولمسعاي أجراً ... إنَّ بُغضَ أل غسّان تغلي مراجلهُ في قلبي ، بلْ هو كالنيران يزداد لهيبها تأجُّجاً كلمَّا ذكرتُ اليوم الذي بهِ قصدتهم فرجعتُ بخفيِّ حنين ... كادت الحرب تنشبُ قبل ثلاث سنين بيننا وبينهم فتَخوَّف الاسود من عاقبتها الوخيمة فبعثني أتجسسُ أحوالهم واتلطف بهم علَّهم يكفُّون عن محاربتنا ، فلما اطلعتُ على بأسهم وبطشهم وعرفتُ ما سيصيبنا من الفشل طغاني شيطان الطمع وحبُّ الرفعة فعرضتُ على النعمان أن أفتح لهُ أبواب الحيرة فيدخلها ظافراً على شرط أن يجعلني وزيراً عنده ....فبادرني بالتوبيخ وذمَّني على خيانتي وطردني ... فشرفُ نفسه وانفتهُ هما المسببان لبُغضي ....فاستمرت نار الحرب ودارت الدوائر على دولة المناذرة وذهبَ أخي همام ضحية تلك الحرب الشرسة ... وها قد اعاضنا الله في هذهِ الحرب الجديدة بالظفر فلابُدّ لي من شفاء غليلي لانتقم من ملك غسّان .... (بتحمس) وليس اعتمادي في تحقيق نيتي على اسمرٍ طويل ولا على أبيض أصيل ، إنما الدهاء رمحي والمكر سيفي بهما أبلغُ مأربي ... (يدعو خادمه) يا كُليب...

( المشهد الثالث )

ثعلبة وكليب

كليب : سيدي

ثعلبة : أكرِّرُ عليك ما أوصيتُك بهِ مراراً أن تُلازم بني غسَّان بالتختُلِ والمداهنة ، ولا يفوتنك شيءٌ ممَّا يحدثُ في هذا القصر ، كُنْ أُذناً صاغية وعيناً ساهرة وانقلْ إليّ كل شيءٍ بإمانة ، فإن نصحتَ لي الخدمة كان جزاؤك مالم يخطر لك على بال وإلاّ ... (حركة تهديد)

كليب : أنا طوع بنانك يا سيدي ( على حِدة ) على شرط أن يصدق سيدي بوعدهِ

ثعلبة : حسناً ( ينظر إلى الخارج ) ها إن نُميراً مُقبل فأذهبْ إلى مهمتك

( المشهد الرابع )

ثعلبة ونُمير

ثعلبة : ( يتفرَّسُ في نُمير ) ما بالك يا نُمير كئيباً ؟ ما الذي جرى؟

نُمير : جرى ما يُسرُّ منه ثعلبة

ثعلبة : إن ثعلبة يُسرُّ بكل ما يَسرُّ نُميراً ، فما الخبر؟

نمير : إن أبي الاسود اسمعني الآن عن النعمان الغسَّاني أقوالاً يُستشفُ منها إنهُ قد قلب لهم ظهر المجن ، بعد أن كان وعدني بإطلاق سبيلهم ، ولا شك إنك أنت المسبب لهذا

ثعلبة : (على حِدة) ، إذاً صار لكلامي وقعٌ، أما هُنا فلنُخاتِل، (جهراً) وما الذي أدَّى بك إلى أن ترشقني بهذهِ التُهمة؟

نُمير : بُغضك المعروف لآل غسّان

ثعلبة : إن آل غسّان أعداء ملكنا أبيك الاسود فمن يبغضهم كان خادماً نصوحاً للوطن ... على أني ــ وهنا أُقِرُّ لك بأغمض مكنونات صدري ــ على أني منذ رأيتُ النعمان ملك الشام تعلَّقَ بهِ قلبي فانزلتهُ منزل الروح مني

نُمير : إني لأعجبُ من مقالك

ثعلبة : ما هو إلاّ كما قلتُ لك

نُمير : ولكنَّ النعمان قتل أخاك

ثعلبة : نعم ، وهذا كان سببُ بُغضي لبني غسّان ، على أني لما عرفتُهم ورأيتُ عِزَّة نفسهم نسيتُ أخي وذكرتُ يوم أُسِرتَ أنتَ عندهم فردّوكَ إلينا سالماً

نُمير : وهذا ما علّقني بهم أيضاً ، وأيم الحق أن ما تُكِنَّهُ صدورهم من حسن الأخلاق والسجايا حملني على الرثاء لحالهم عند كسرتهم

ثعلبة : إني رهين إشارتك لو شئت أسعى معك في فكِّ أغلالهم وتحرير رقابهم

نُمير : هذا الأمر راجع إلى حكم أبي الملك .. ( هنا يتطلَّعُ إلى الباب )

ثعلبة : ( وحده ) قد كلف نُمير ببني غسّان ولكن سأفرق بينه وبينهم عمّا قليل إن كنتُ أنا ثعلبة ( يخرج )

( المشهد الخامس )

نُمير ، جليل ، المنذر

المُنذر : أأنتَ هُنا يا نُمير ؟ إني جادٌ في طلبك منذ الصباح

نُمير : ولِمَ طلبتني يا أخي المُنذر ؟ هل جليل بن النعمان مصرٌ بعد على حزنه ؟

المُنذر : لهذا أتيتُ به إليك ، فإِنهُ يرفضُ كل تعزية ، وقد ذهبت أتعابي كلها سُدى لاقناعهِ

جليل : كان الفرحُ طائراً حطَّ على غصن قلبي مُدَّة ثم طار وهيهات أن يرجع ، فمنذ سقطت أُسرتي في هذهِ النكبة أصبحَ الحزن حليفي وعششَ غرابُ الكآبة في قلبي

نمير : أنتَ حديثُ السن يا جليل وأمامك حياةٌ سعيدة تبسمُ لك كوردة نضرة ، فانسَ المصيبة الحاضرة وعلّق آمالك على مستقبل شهي

جليل : كيف أنسى وأبي نصبُ عينيّ أسيرٌ في داركم ، سقط من ذروة المجد إلى أسفل دركات الذلِّ

المُنذر : ما هذا الكلامُ يا جليل ، وهل مسّ أحد أباك بأَذى منذ دخل دارنا ؟ إن أبي يعزّه ويكرم مثواه ولا يكادُ يعدّه أسيراً

جليل : يكفينا عاراً أنكم كسرتمونا وقتلتم منّا أناساً صالحين كانوا أشرفَ آل غسّان ومنهم عمي جبّلة ... (بتأثُّر) ، واأسفي عليك يا عمّاه ، يا عمدة أسرتنا (يبكي)

نُمير : لا تبكِ يا جليل ، فهذهِ حال الحرب ، إنها تلوحُ كالبرق ثم كلمح البصر يرتفع أجيجها ويعلو لهيبها فتفتكُ فتك بهيمةٍ لا تلوي ولا تذّر

المُنذر : تباً للحروب وتباً لما تُنتج من ضروبِ الشرور، فأستشهدُ الله إنهُ إذا صار إليّ الأمر سأبطل كل الحروب

نُمير : إليك يا جليل خبراً يُخفِّفُ شيئاً من همومك ، سمعتُ البارحة من أبي إنه قرر إطلاق آل غسّان من أَسرِهم ، فأبشر الآن فأن شاء الله عما قليل ترجع إلى الشام ويرجع أبوك إلى مقامهِ

المُنذر : يا حبذا البشرى! .... إني لا أراك تبتشُّ لها يا جليل ، فهل ترتابُ في قول أخي ؟

جليل : لا ... ولكن ... على كل حال حقَّقَ الله هذا الخبر

نُمير : ها أنا ماضٍ يا جليل لأحثَّ أبي على تحقيق أمانيك في أقرب ما يكون فأتركك مع المُنذر عساهُ يُلطِّفُ أحزانك ويكشف عن كربتك

( المشهد السادس )

المُنذر وجليل

المُنذر: ألا يا جليل، لِمَ هذهِ الكآبة المفرطة ، وأنت على يقين إننا لا نُلحق بأبيك أذّى .... أراكَ كاسف اللون وقد كنتَ كالبدر في تمامهِ أول يوم وطئت دارنا

جليل : هذهِ حالةُ الكسير الأسير

المُنذر : كلامك هذا يا جليل يمزق كبدي ويملأني حنقاً على غدر الدهر وفتكهِ بالأفاضلِ الكرام مثلكم .... ولكن ما صار قد صار ... لِمَ لا نضرب صفحاً عن الماضي لاسيما أني أنا لا حصة لي في مواقعة غسّان ، لنترك العداوة لأبي وأبيك ، أما نحن فإذ لم نتحارب ولم نتعاد فلا نذكرن منذ الآن بيننا ما يدلّ على انتصارنا أو على كسرتكم .... أتعاهدني على هذا يا جليل؟

جليل : يشقُّ عليّ يا منذر نسيان ما فات ، فإني وإن كنتُ فتى فقلبي قلبُ رجل، والرجل لا ينسى سريعاً عار كسرةٍ لحقت بأهله .... آه ! لِمَ لا تَنْشَبُ الحرب اليوم فأنزل مع الأبطال وأهجم مع الفرسان في ميدان الوغى فأمحو بانتصار باهر ذِكر كسرتنا أو أغسلُ بدمي عارنا

أحنُّ إلى ضرب السيوفِ القواضبِ ...... وأصبو إلى طعن الرماح اللواعبِ

وأشتاقُ كاساتِ المنون إذا صفت ...... ودارت على رأسي سهامُ المصائبِ

ويطربني والخيل تعثر بالقنا ...... حُداة المنايا وارتِعاج المواكبِ

وضربٌ وطعنٌ تحت ظلِّ عجاجة ...... كجنح الدجى من وقع أيدي السلاهبِ

تطيرُ رؤوس القوم تحت ظلامها ...... وتنقضُّ فيها كالنجوم الثواقبِ ( 6 ) 

المُنذر : يسّرني تحسًّسك يا جليل ، ولكن لا تخلني ضعيف العزم واهي الجنان وإني أخشى القراع والنزال ، قد ساء ظنُّك ... فإن كنتَ تتمنى اضطرام الحرب فها أنا أُصليها ، وإن كنتَ تبتغي النزال فها أنا أُنازِلك ، وإن كنتَ ترغب في الهجوم فها أنا أهاجمك ، وإن كنتَ تشتاق إلى النصرة فأنا لا أرضاها حتى تُبيد آل غسّان عن آخرهم أو تذهب بنا عن آخرنا ... ولكن عارٌ عليّ منازلتك وأنتَ فتى ، فإن قُضي بالأمر أنازلُ أبطال قومك بل لا استنكف عن منازلة كماة غسّان وملكهم :

سكتُ فغرَّ أعدائي السكوتُ ...... وظنُّوني لاهلي قد نسيتُ

وكيف أنام عن ساداتِ قومٍ ...... أنا في فضل نعمتهم ربيتُ

وإن دارت بهم خيل الأعادي ...... ونادوني أجبتُ متى دُعيتُ

بسيفٍ حدُّهُ موجُ المنايا ...... ورمحٍ صدرهُ الحتفُ المُميتُ

خُلِقتُ من الحديد أشدُّ قلباً ...... وقد بُليّ الحديدُ وما بليتُ

ولي بيتٌ علا فلك الثُريا ...... تخِرُّ لعِظَمِ هيبتهِ البيوتُ ( 7 )

جليل : لا فُضَّ فوك يا منذر شهامتك هذهِ أخذت مني كل مأخذ، فلعمري لو دُمتَ دهراً تُردِّدُ على مسامعي ألفاظك تلك الرقيقة التي بها حاولتَ إقناعي على نسيان ما مضى والتعاهد بيننا لما كان لكلامك وقعٌ في قلبي كما أوقع تحسُّسك هذا ... أما الآن وقد رأيتُ جرأتك فإِني أعاهدك وأصافحك يا ابن المنذر، أنتَ من اليوم أعزُّ الناس إليّ . (يتصافحان).

المُنذر : ما كنتُ لأجسرُ يا جليل أن أطلب ذلك منك بفمي ، كان هذا العهد شوقاً محجوباً في طوايا قلبي، أما الآن وقد كشفت الحجاب عنهُ فبِحقِّ من خلقَ الأكوان وبرأ العالمين إني باذلٌ في سبيل القيام عليه كل ما لديّ من القوى حتى حياتي

جليل : ( ينظرُ إلى الخارج بينما يتكلم ) ، ها إن أبي مُقبل يا مُنذر فاتركني وإياه

( المشهد السابع )

النُعمان وابنه

جليل : بشرني الآن نُمير إن الاسود عوَّل على فك أسرنا فما هي حقيقة الأمر يا أبتاه؟

النُعمان : أجل إنه نوَّه أمس بشيء كهذا على أني رأيتُ خلافهُ اليوم

جليل : ( بحزن ) ، إذن لم يخدعني فكري فإنه لم يركن إلى هذهِ البُشرى، فيناجيني مراراً وينبئني بما يقلق بالي ويثير بلبالي

النُعمان: إن الملك الاسود شريف النفس لكنه محاطٌ بأعوانٍ ذوي خبثٍ وحسدٍ يًخشى منهم شرُّ الأمور

جليل : فما العمل إذن يا أبي ؟

النُعمان : ما العمل والأسدُ في قفص! ، ما العمل وأنا أعزل لا سلاح في يدي! ... آه يا بني كهلان لقد طلع سعدُ حظّكم فكسرتم بني غسّان مرَّة بعد أن غلبوكم مراراً وطحنوكم طحناً ... (يلتفت إلى ابنه) يا جليل

جليل : أبتِ

النُعمان : لي كلامٌ خطير أحبُّ أن أودعك أيَّاهُ ... ولكن لا أدري أتكون لهُ كفوءاً وأنتَ فتى حديث السن

جليل : ليعلم أبي النُعمان أن دماً عربياً يجري في عروقي جعلَ في رزانة الشيوخ ، قلْ مهما شئت يا أبي تجدني عصامياً

النُعمان : ( يحضنهُ ) لا فُضّ فوك يا ابني ، فلعمري ما كذَّبت أصلك ... اسمع: إن ما بيني وبين المناذرة من البغض ينبئني إن لا نجاة لي من هذهِ التهلكة ، إنهم سيوقعون بي لا محالة ، أما أنت فاسلم وأعلم هذا إن دم آل غسّان يطلب منّك أن تنتقم له فدمُ آل غسّان لا يُهدر ، إن تمكنت من النجاة فأخبر أعمامك وأخوالك بموتي لينهضوا للأخذ بثأري ، استفزهم للقتال بكل ما لديك من القوى والذرائع ، وإن لم تتيسر لك النجاة فأفرغ كافة الجهد لتبلغهم من بُعد حقيقة الأمر ، فيثيروا حرباً هواناً على ملوك الحيرة ، ولكن إياك يا جليل والمكر فليس المكر من شيم العرب ، كنْ شريف النفس عالي الهمة سامي القدر .... هذهِ خصالنا وهذا هو الإرث الذي يتركه كل أبٍ منّا لبنيهِ فأخرج الآن ياابني على بركة الله ودعني وحدي (جليل يقبّل يد أبيهِ ويخرج).

( المشهد الثامن )

النُعمان لوحده

النُعمان : (ينظرُ من حيث خرج جليل) ، اذهبْ على الطائر الميمون وليساعدنَّك الله على ان تُقيل آل غسّان من سقطتهم هذهِ .... ( يفتكر ) وقعت في حوزة الأسود لها ثأر لنكباتٍ عديدة انزلها أجدادي بأجدادهِ .... وددتُ لو ودَّعت الحياة قبل أن أرى ذلك اليوم المشؤوم الطالع ... ليتني لم أتبوأ سدة المُلكِ وتقبض يديّ على الصولجان ، كُسر النُعمان بن الحارث ثم أُسر وهذا شهرٌ وهو في الأسر ...يتلاعب أعداؤهُ بأقداره ... فاتحني الاسود البارحة بوجوب تقدمة الدية واليوم أراهُ متردداً في قبولها ، أهكذا يمكرون ببني غسّان ؟ أين سطوتي ؟ أين بأسي ؟ أين سيفي ؟ وأين فرسي النعامة ؟ ... لِمَ هذا الخمود يا نُعمان؟ أَلا

قرباً مربط النعامة مني ...... ضاق صدري على الليالي الطوالِ

قرباً مربط النعامة مني ...... أخذُ ثأري استفزني للقتالِ

قرباً مربط النعامة مني ...... لحروبٍ لنارها أنا صالٍ  ( 8 )

ولكن ما هذهِ الأشواق العقيمة والنكباتُ تساورني والأسرُ موطني

جاذبيني يا نائباتِ الليالي ...... عن يميني وتارةَ عن شمالي

[ يقعدُ على حجر ، ويغوص في أفكارهِ ، بينما يُسمع لحن حزين أو عتابة من الخارج ، هنا يدخلُ ثعلبة ( .... ؟ ..... ) ووجههُ ملثم ]

( لهُ صلة )

//////////////////////////////

الحواشِي وبَعْض المَعاني:

( مِنْ تَهْيئَة وبَحْث: شذى توما مرقوس )

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) الأَبْيَات الشِعْرِيَّة لأُبو أُذينة .

( 2 ) البَيْت الشِعْرِيّ لأبو أُذينة .

( 3 ) البَيْت الشِعْرِيّ لِعمرو بن كلثوم .

( 4 ) البَيْتَان الشِعْرِيَان لأَبُو أُذينة .

( 5 ) البَيْت الشِعْرِيّ لأبو أُذينة .

( 6 ) الأَبْيَات الشِعْرِيَّة لِعنترة بن شداد .

( 7 ) الأَبْيَات الشِعْرِيَّة لِعنترة بن شداد .

( 8 ) قرباً مربط النعامة مني هي لِلشَاعِر الحارِث بن عباد ، قَامَ القَسّ حنا رحماني بِأَخْذِ الشَطْرِ الأَوَّلِ مِنْها ( الصَدْر : قرباً مربط النعامة مني ) وأَضَافَ مِنْ قَرِيحَتِهِ الشِعْرِيَّة أَوْ حِسَّهُ الشِعْرِيّ  أَبْيَات العَجْز وعلى التَوالِي :

.....ضاق صدري على الليالي الطوالِ

...... أخذُ ثأري استفزني للقتالِ

...... لحروبٍ لنارها أنا صالٍ   

وجاءَ هذَا حسَب المُقَدِّمَة الَّتِي كتَبَها حنا رحماني حَيْثُ قَال :

 [ ويتخلل الرواية كثير من الشعر الجاهلي القديم وشيء من الشعر الحديث تصرفنا ببعض أبياتها وفقاً لمواقف الرواية ] .

بَعْضُ المَعاني :

القَواضِب : جَمْعُ قَاضِب ، سَيْفٌ قاضِب : شَدِيدُ القَطْعِ .

ارْتِعاج : ارْتِعاد ، ارْتِجاف ، ارْتِعاش ، اهْتِزَاز .

سَلاهِب : جَمْعُ سَلْهَب وهو الطوِيل مِنْ النَّاسِ والخَيْل .

////////////////

نَتَواصل عزِيزَاتي ، أَعِزَّائي مِنْ القَارِئاتِ والقُرَّاء في المَرَّةِ القَادِمَة .

طابَتْ كُلَّ أَيَامكم بِالخَيْرِ والأَفْرَاح ، مَعَ الود .

حوار مع الشاعرة والباحثة والمترجمة والناقدة الجزائرية”نوميديا جرّوفي”/خالد ديريك

الخميس, 24 آب/أغسطس 2017 00:00 تم النشر من قبل

 

ـ أوّل نصّ لي كان خاطرة في عمر الحادية عشر بعد قراءتي لرواية الأمين والمأمون لجرجي زيدان.

ـ إنتاجي الأدبي متنوع، من شعر لقصّة قصيرة لقصص أطفال خيالية لترجمة روايات وقصص قصيرة لأبحاث ودراسات لقراءات نقدية.

ـ أنا أقترح أن يدخل موضوع المطالعة في المدارس كما كان في جيلي ليتعلم التلميذ منذ البداية معنى الكتاب وقيمته الأدبية.

ـ أنا أفضّل أن أتناول قراءات أدبية لكتاب وشعراء جُدد لأفتح لهم الآفاق الواسعة ولا أكتب أبداً للمشهورين فقط.

ـ أبداً، لا تواجهني صعوبات في الترجمة لأنّ اللغة الفرنسية نتعلّمها في المدارس في عمر الثامنة ونتكلّم بها مع بعضنا منذ نعومة أظافرنا.

ـ أكثر من كاتب وجد نفسه وراء القضبان وفي المحاكم أو السجن أو لاحقته الحكومات وهناك من أعدم بسبب كلام كتبه.

ـ بكل بساطة، الكتاب الإلكتروني هو امتداد للكتاب الورقي وليس آخر مسمار في نعشه.

ـ قدوتي الأدبيّة هو الشاعر والناقد هاتف بشبوش منير دربي ونجمتي الساطعة.

أجرى الحوار: خالد ديريك

رابطة آرارات الثقافية

خالد ديريك: نرحب بكِ ونشكركِ على تلبية دعوتنا لإجراء هذا الحوار.

في البداية كيف تُقدمين نفسك للقراء؟

نوميديا جرّوفي: شكري وتقديري وامتناني لهذه الالتفاتة الرّاقية من قبلكم.

في البداية، أقدّم نفسي كقارئة نهمة للكتب قبل كلّ شيء، فالكتاب صديقي ورفيقي أينما أكون في الدّوام في البيت في الحافلة في السّفر، وأنام يوميّاوأغفو وأنا أقرأ.

خالد ديريك: كيف خطرت لكِ فكرة الكتابة أو ما الذي دفعكِ إليها، ومتى دوّن قلمك أول نص؟

نوميديا جرّوفي: الدّافع الأكبر هو مطالعة الكتب منذ كنتُ في الثامنة ليومنا هذا، كنتُ دوماً أحصل على المرتبة الأولى في المدرسة وكانت هداياي كلها كتب بشكل قصص أطفال أحصل عليها من أهلي، ثمّ بدأت أختار ما أطالع حيث كنتُ أقوم بتلخيص كلّ رواية من الأدب العالمي بطريقتي وأجمعها في دفاتر ما زلت أحتفظ بها ليومنا هذا.

وبالتّدريج ومع مرور الوقت تعلّمتُ كيف أنوّع القراءات من روايات لشعر لأبحاث بكُتب أشتريها أو أذهب للمكتبات وأمضي يومي هناك أقرأ وأكتب.

وأوّل نصّ لي كان خاطرة في عمر الحادية عشر بعد قراءتي لرواية الأمين والمأمون لجرجي زيدان.

خالد ديريك: حدثينا قليلاً عن إنتاجك وإبداعاتك الأدبية، وما هي الموضوعات التي تطرقتِ إليها؟

نوميديا جرّوفي: إنتاجي الأدبي متنوع، من شعر لقصّة قصيرة لقصص أطفال خيالية لترجمة روايات وقصص قصيرة لأبحاث ودراسات لقراءات نقدية.

تناولت مواضيع مختلفة: حزن، ألم، ابتسامة، أمل، حبّ، تمنّي، فلسفة، صوفيّة، خيال وواقع.

في الشعر: محراب في كلّ روح، في متاهة قلبي المسافر، هاتف على أوتار قلبي.

في القصة القصيرة: مجموعة قصصية.

قصص أطفال خيالية باللغة الفرنسية وقمت بترجمتها للعربية.

في الترجمة: مشرحة بغداد للروائي برهان شاوي للفرنسية، وبعض القصص القصيرة للقاصّ جمال حكمت للفرنسية.

في الدراسات: مولانا الحبّ جلال الدين الرومي، تاريخ وثقافة كرُدستان، متاهات برهان شاوي، قراءات نقدية (جزء1)، ثورة الذات والأنا.

خالد ديريك: ماذا تعنين بعناوين دواوينك “محراب في كلّ روح”، ” في متاهة قلبي المسافر”، “هاتف على أوتار قلبي”.

هل تكشفين لنا بعض الأفكار الرئيسية عن محتويات المجموعات الشعرية؟

نوميديا جرّوفي: كل ديوان يختلف عن الآخر من حيث المضمون والمعنى:

” محراب في كلّ روح “هو تقريباً ديوان صوفي كما استخلص مغزاه كلّ من قرأه وتناوله بدراسة كما تناوله الأب يوسف جزراوي وكذا الأستاذ عبد النبي فرج.

” في متاهة قلبي المسافر” جمعت فيه أحزان عراقية ودموع عربية لشرقنا المتألمّ بسبب الدّمار والحروب، فيه آمال وأمنيات.

” هاتف على أوتار قلبي” هو ديوان لرفيق الدرب الطويل وسراجي المنير الأقرب للقلب والروح والعقل.

خالد ديريك: نوميديا جرّوفي هي شاعرة، قاصّة، باحثة، مترجمة وناقدة.

ألا تتلقّى صعوبات وهي تقود هذه المعارك الكتابيّة؟ وفي أي جنس أدبي تجد نفسها أكثر؟

نوميديا جرّوفي: أبداً، لا توجد صعوبات وسط هذه المعركة الكتابيّة كما وصفتها بطريقة جدّ راقيّة لأنّ الكتابة لا حدود لها ولا أتعثّر في أيّ درب أدبي مهما اختلف عندي ولو حدث وتعبتُ بالكتابة أحيانا أرتاح بالمطالعة لعدّة أيّام لأعود لقلمي مجدّداً.

أجد نفسي في الشعر فأنا شاعرة أوّلاً، حيث من خلال الشعر أستطيع التعبير عمّا في أعماقي العميقة من خلال حدث أو واقع أو خيال أو إحساس أو شعور أعبّر عنه بطريقتي الخاصّة.

خالد ديريك: هل هناك سمة للأدب المغاربي تُميزه عن غيره؟ وهل لك من مقترحات في سبيل التطوير إن كان هناك نواقص وعيوب حول الأدب والثقافة في بلدكِ؟

نوميديا جرّوفي: الأدب المغاربي يختلف عن الأدب العراقي أو الأدب المصري أو الفلسطيني، ولأنني تتلمذتُ بالأدب العراقي فهناك فرق شاسع في بلدي من خلال الروايات أو الدواوين فمواضيعها ليست بالعمق مقارنة بغيرها، للأدب المغاربي كُتابه أيضاً وهناك المتألقون الذين تركوا بصمة أدبية مثل “محمد ديب”، كاتب ياسين”، “آسيا جبار”، ” ياسمينة خضرة”، “رشيد بوجدرة” وغيرهم.

الفرق بين الدول المغاربة والعالم العربي أن الشباب هنا لا يطالعون كثيراً وانهمكوا في جيل التكنولوجيا الحديثة فبدل قراءة كتاب تجد أغلبهم في مواقع التواصل الاجتماعي للدردشة دون فائدة.

لدينا مكتبات كثيرة لكن روّادها قليلون وهذا جدّ مؤسف.

أنا أقترح أن يدخل موضوع المطالعة في المدارس كما كان في جيلي ليتعلم التلميذ منذ البداية معنى الكتاب وقيمته الأدبية ويبني علاقة صداقة معه بدل الأجهزة الالكترونية.

خالد ديريك: متى تختار نوميديا جرّوفي نصّاً أو كتاباً …إلخ من أجل كتابة دراسة نقدية حوله؟ وهل النقد هو الكشف عن مواطن الجمال فقط؟

نوميديا جرّوفي: بصراحة الاختيار يأتي فجأة أثناء المطالعة سواء كان النصّ رواية أو شعر أو قصّة قصيرة، ووحده النصّ من يجذبني للكتابة عنه، ولا أختار الكتب من العناوين فأحياناً العنوان يجذب القارئ بينما المضمون لا شيء والعكس صحيح.

قراءاتي النقدية قد تختلف عن القراءات النقدية عند غيري، فهناك من يتناول النقد بنقط معيّنة منها البحث عن الثغرات والفجوات في النصّ وإظهار عيوب ما كتب الكاتب أو الشاعر ويبحث عن موطن الضعف في النصّ. لكن قراءاتي مختلفة تماماً واستثنائيّة فأنا أظهر جمالية النصّ للقارئ وأبسّطه له بطريقتي الخاصّة حيث أتعمّق فيه أكثر وأعثر على مغزاه أو الرسالة التي ينوي الكاتب إيصالها للقارئ من خلال ما كتب، وليفهم القارئ بشكل أفضل أعطيه أمثلة من أقوال حكماء أو عظماء خلّدهم التاريخ أو قصص واقعيّة أكون سمعتها أو قرأتها يوما لتكون متزامنة مع نصّ الكاتب.

خالد ديريك: ماذا عن الكُتاب والشُّعراء الجُدد، هل لهم نصيب عند النقاد أم أنّ الإهمال مصيرهم وحصّة الأسد فقط لنّخبة المشهورين؟

نوميديا جرّوفي: بكلّ تأكيد لهم نصيب عند النقاد، فالكاتب مهما كان جديداً أو قديماً له نصيب في التوغل في كتاباته عند القارئ والناقد خاصّة.

الناقد وحده من يُبرزه بصفة جميلة فيبني فضول في نفسية القارئ للاطّلاع على إنتاجه أو يبعده عن القارئ لو أبرز فجوات كتاباته كما حدث للكثيرين.

أنا أفضّل أن أتناول قراءات أدبية لكتاب وشعراء جُدد لأفتح لهم الآفاق الواسعة ولا أكتب أبداً للمشهورين فقط، فالمشهور له جمهوره الغفير، والصاعد يحتاج ليعرفه الناس، كما تناولت دراسات لكتّاب أغلب القراء لا يعرفونهم، لكنّي سلّطتُ عليهم الأضواء وشوّقت القارئ للاطلاع على أعمالهم الأدبيّة الثريّة.

خالد ديريك: ما هو الشيء الذي شدّ نوميديا جرّوفي إلى مولانا جلال الدين الرومي، لتؤلّف كتاباً موسوعياً عنه؟

نوميديا جرّوفي: مولانا جلال الدين الرومي قطب صوفي بارز، ومنذ كنت في الثانية عشر وأنا أقرأ أعماله وبمرور الوقت تعمّقت أكثر وغصت في أعماق كتاباته حتّى تغلغل في أعماقي حبّ عالمه الذي أخذني بعيداً، قصائده لشمس تبريز ولّدت فيّ الفضول لأكتشف السرّ الدفين وراء اغتيال شمس الدين تبريز، من منهما الشيخ؟ ومن المريد؟ ما هي المولويّة؟ فكتبتُ يوم:

” تجرّدتُ عن جسدي

وتورّطتُ في روحي

فتُهتُ في هوى الأرواح”

عالم مولانا الرومي بحر شاسع لا مرفأ له، وفي أعماقه جواهر نادرة عنوانها الحبّ والمحبة والمودة والتسامح وكذا موسيقى الأرواح التائهة التي تجعلنا نحلّق في الأعالي.

هذا ما جعلني أزداد غوصاً لأكتب كتاب موسوعي لم أنته منه منذ أربعة أعوام وأنا وسط كل الكتب العديدة والأبحاث عنه لأنهي تأليفي الموسوعي للأجيال القادمة.

خالد ديريك: متى تعرّفت نوميديا جرّوفي على تاريخ وثقافة كُردستان، هل من أمر جذبها وحفّزها أن تُنقب وتكتب الأبحاث عن تاريخ وتراث هذه الأمة؟

نوميديا جرّوفي: تعرفت على كُردستان بفضل الأستاذ والباحث الموسوعي ” جلال زنگابادي” وكتابه الموسوعي (الكرد لوجيا)، وبالبحث وجدتُ تشابه طبق الأصل في بعض العادات مع مديني تلمسان خاصّة في طقوس الزواج، ومن هنا ازددت تعمقاً وبحثاً لأكتب عن تاريخ وثقافة كُردستان لأفتح الباب على مصراعيه لمن لا يعرف حضارتها وتقاليدها المتوارثة أبًا عن جدّ منذ عقود.

خالد ديريك: ما هو أول نصّ قمتِ بترجمته؟ وكم كتاب ترجمتِ حتى الآن؟ وهل تواجهكِ العقبات أثناء الترجمة؟

نوميديا جرّوفي: أوّل نصّ قمت بترجمته من العربية إلى الفرنسية هو رواية (مشرحة بغداد) للروائي “بُرهان شاوي” وقبلها ترجمتُ خمسة قصص أطفال خياليّة كتبتها بالفرنسية للعربيّة حتى يتسنّى للقارئ الطفل أن يقرأها باللغتين دون صعوبة وبدأت بترجمة بعض القصص القصيرة للقاصّ “جمال حكمت” من مجموعته القصصية (أنسام عذبة).

وأبداً لاتواجهني صعوبات في الترجمة لأنّ اللغة الفرنسية نتعلّمها في المدارس في عمر الثامنة ونتكلّم بها مع بعضنا منذ نعومة أظافرنا، لهذا لا ألاقي عقبات في تحويل النصّ من لغة إلى لغة مع الاحتفاظ به مضموناً ومعنى.

خالد ديريك: برأيكِ، لماذا تلتزم معظم دور النشر والصحف الكبيرة بطبع ونشر للكُتاب المشهورين؟ في هذه الحالة، كيف يمكن للمهتمين والغيورين على الأدب والثقافة دعم الأقلام الجديدة أم أن عليهم الاعتماد على أنفسهم وانتظار حظوظهم؟

نوميديا جرّوفي: سؤال يستحق أن نوقّف عنده كثيراً، فأغلبية دور النشر يقترن اسمها بمجموعة من الكتّاب المشهورين وكأنّها أبرمتْ معهم عقداً كما حدث للبعض دون ذكر الأسماء، فهي لا تنشر لكاتب جديد وكأنّه سيحبطها أو يطمسها وهذا ما يُحيّرنا، وربما بالعكس بفضل ذلك الكاتب ذو القلم الجديد ستزداد شهرتها عالياً.

ولهذا هناك دور نشر أرفع لها القبّعة وأحيّيها لأنها تنشر للجميع سواسية دون تمييز، فلكلّ كاتب أسلوبه، ولكلّ كاتب عالمه الأدبي وبصمته الخاصّة وهناك دور نشر تبحث عن الأقلام الجديدة الصاعدة وتؤمن بإبداعها وإنتاجها فتساعدها بالنشر وتسهّل لها كلّ صعب لاقته عند غيرها لتبدأ مشوارها الأدبي دون توقّف.

خالد ديريك: هل يستطيع الكاتب/ة أن يكتب عن كل شيء دون أن يتعرض للأذى، بمعنى هل هناك وجود للخطوط الحمراء أو المحرمات في الحقل الأدبي؟ وعلى الكاتب عدم تجاوزها وإلا سيكون مستهدفاً من قبل السلطات والتنظيمات السياسية والدينية والمجتمع والنقاد…إلخ؟

نوميديا جرّوفي: الخطوط الحمراء في الأدب التي تعتبر الثالوث المحرّم هي (السياسة، المرأة، الجنس) ومن يتطرّق لهم يُعتبر جريء حطّم الطابور كما فعلها الروائي برهان شاوي في متاهاته.

الجميع يكتب عن السياسة بمواضيع تتناول الواقع المعاش لكن بطريقة أدبية وأنتَ أشرت لنقطة مهمّة من كون الكاتب لو يتجاوز الخط الأحمر يصبح مستهدف، أنت محقّ فأكثر من كاتب وجد نفسه وراء القضبان وفي المحاكم أو السجن أو لاحقته الحكومات وهناك من أعدم بسبب كلام كتبه، لهذا على كلّ قلم نابض أن يكتب ويحترس أحياناً حتى لا يقع فريسة سهلة كما حدث لأدباء كثيرون.

وبالنسبة للنقد، الجميع يتعرّض لهجوم من قبل النقاد، ثمّ إنّ النقد يعلّمنا أكثر لا يُحطّم معانينا أو يهدّمنا، بالعكس يجعلنا ننطلق للأمام ونسير على النهج الذي نتبعه.

خالد ديريك: هل الكتاب الورقي في بداية مرحلة الزوال لصالح الكتاب الإلكتروني؟

هل حقاً وصلنا إلى نهاية عصر الكتاب الورقي، وهل يمكننا اعتبار الكتاب الإلكتروني آخر مسمار في نعشه؟

نوميديا جرّوفي: كثرة المكتبات الإلكترونية التي لو قمنا بعدّها وهي كثيرة هي التي جعلت القارئ الشّاب كسولاً فيما يخصّ الكتب الورقية خاصة لأبناء هذا الجيل الذي يحتكر التكنولوجيا الحديثة.

يمكننا اعتبار الكتاب الإلكتروني آخر مسمار في نعش الكتاب الورقي حقيقة لأننا وفي بعض الأحيان ونحن نبحث عن عنوان لكتاب سواء في الرواية أو التاريخ أو لبعض البحوث مثلاً، لا نعثر عليه ورقي ولو جُبنا المكتبات كلّها لعدّة أيام بينما نعثر عليه إلكتروني بكل سهولة، فنقوم بتحميله والاطلاع عليه ببساطة دون أن نضطر لمغادرة البيت.

والغريب في الأمر أنّ القارئ يستطيع وهو مسافر أو خارج البيت، في العمل، في الحافلة أن يحمل معه مكتبة ضخمة من الكتب في هاتفه المحمول أو كمبيوتره المحمول مثلاً دون أن يشعر بثقل الكتب التي يحملها ولن يضطر لحمل محفظة ثقيلة أينما يكون متوجّهاً.

الخلاصة البسيطة هي أنّ الكتب الإلكترونية تُعتبر رائعة وجيّدة من هذه الناحية ربّما.

لكن من خلال العولمة في جيل التكنولوجيا ونحن من محبّي القراءة الورقية نشعر أنّ بعض الكتب الورقية في نهاية عصرها لخلوّ بعض المكتبات منها والتي تكاد تنقرض لعدم رُوّاجها من القرّاء كما كان الحال قديماً في تسعينيات القرن الماضي.وبالرغم من أنّ البعض يتحدّث عن نهاية عصر الكتاب الورقي وهي مقولة لا يمكن أن تكون صحيحة أبداً لأنّ الكتاب الورقي لن ينتهي عصره أبداً وهناك المؤلفات القديمة من الأجيال الغابرة غير الموجودة في المكتبات الإلكترونية.

لا ننس أنّ للكتب الورقية سحرها الخاصّ بلونها ورائحة أوراقها ونحن نتصفّحها بين أيدينا ونطوي بعضها لنكتب ملاحظات عمّا لفت انتباهنا أو لنتذكّر مقولة جذبتنا. كما وهناك الكثير من الكٌتاب والأدباء والشعراء الذين ظهروا مؤخراً بمؤلفاتهم الثمينة التي أثرت المكتبات.

فإن هيمن الكتاب الإلكتروني على الكتاب الورقي لن تكون هناك طباعة للأعمال الجديدة والتي لم تصدر بعد والتي هي في طريق النشر. فكيف لنا نحن القرّاء أن نطالع ما هو جديد؟

بكل بساطة، الكتاب الإلكتروني هو امتداد للكتاب الورقي وليس آخر مسمار في نعشه فبدون الورقي لن يكون هناك الالكتروني أبداً.

وليس هناك روعة سحرية أكثر من تلك الغفوة وبين يديك كتاب تحمله لتنام بين صفحاته وجلدتيْه يوميّاً.

خالد ديريك: برأيكِ، هل تُحقق الاتحادات والروابط الأدبية للكاتب كل ما يطمح إليه؟

وهل لديكِ مناصب أو عضوية في الجرائد والروابط الأدبية؟

نوميديا جرّوفي: الاتحادات والروابط الأدبية تفتح الآفاق للكاتب ليتعرف على أصدقاء مبدعين حول العالم وتحقّق له جزءاً من طموحاته لكثرة المواقع الإلكترونية الأدبية وكذا الجرائد والمجلات الإلكترونية التي تنشر كتاباته فتُوصل كتاباته لكل العالم.

بالنسبة لسؤالك الثاني، أجل لديّ منصب في مجلة أدبية ثقافيّة وأنا محرّرة فيها كما أنّني أنشر في العديد من المواقع الإلكترونية وكذا الصحف والمجلات والجرائد الورقية والإلكترونية.

خالد ديريك: بمن تأثّرت نوميديا جرّوفي من أسماء عربيّة أو غيرها، والآن، هل اختارت أو أصبح لها قدوة أدبيّة؟

نوميديا جرّوفي: منذ بدأت المطالعة تأثرت بالشعر الجاهلي وأصحاب المعلقات، الجواهري، مظفر النواب، السياب، يحيى السماوي، نزار قباني ومحمود درويش.

والكتُّاب تأثرت بدوستويفسكي، فيكتور هيجو، ليو تولوستوي، وليم شكسبير وجرجي زيدان.

وقدوتي الأدبيّة هو الشاعر والناقد هاتف بشبوش منير دربي ونجمتي الساطعة.

خالد ديريك: الشاعرة والناقدة والباحثة والمترجمة نوميديا جرّوفي، شكراً لكِ من القلب على هذا الحوار الممتع الذي من خلاله تعرفنا بعمق وعن كثب على إبداعاتك وتجربتك الغنية بالعلم والمعرفة والثقافة، ولك كلمة أخيرة.

نوميديا جرّوفي: أشكركم مجدداً لهذه الالتفاتة الأدبية الراقية من قبلكم، وتمنياتي لكم بدوام التألق والازدهار والإبداع في مشواركم الأدبي والفنّي مع خالص المودّة والتقدير والاحترام.

أجرى الحوار: خالد ديريك

رابطة آرارات الثقافية.

يوليو 9, 2017

صدور المجموعة القصصية الجديدة للشاعر والكاتب مصطفى محمد غريب غائبون في قصر الملك

الثلاثاء, 22 آب/أغسطس 2017 00:00 تم النشر من قبل

صدر للشاعر والكاتب مصطفى محمد غريب في تموز 2017 المجموعة القصصية " الغائبون في قصر الملك " عن دار النسيم للنشر والتوزيع في القاهرة وهي تتكون من( 127 ) صفحة من الحجم المتوسط ، تصميم الغلاف الجميل لقصر الرحاب الملكي أثناء ثورة 14 تموز 1958 من قبل دار النشر، المجموعة القصصية تعتبر الرابعة  فقد صدرت للكاتب ( 4 ) مجموعات قصصية قصيرة و( 4 ) روايات طبعت في سوريا ولبنان والأردن والعراق ومصر ونشر عنها في وسائل الإعلام العربية والعراقية، إضافة ( 13 ) مجموعة شعرية ترجم منها ( 3 ) مجموعات إلى النرويجية من قبل المكتب الثقافي اوسلو واوبلاند ونشر عنها في العديد من الصحف والمجلات والمقابلات الإعلامية ..

الغائبون في قصر الملك تحتوي على (6) قصص قصيرة و ( 2 ) قصة قصيرة جداً حيث تناولت القصص مجموعة من المواضيع والأحداث في العراق في أزمنة مختلفة وبضمنها قصة " صومعة طرطميس اللغوية " التي تعني التداخل ما بين نثرية النص وحوار فلسفي كلغة  تعقيدية في البعض من الأحيان وهي حسب اجتهاد القارئ الذي تقع على عاتقه مسؤولية الوصول للهدف ، القصص البقية تكاد تختلف في موضوعاتها ما بين البحث عن الحقيقة أو كشف الوجه الآخر للغربة والغربة الداخلية وللاضطهاد الفكري والجسدي وسادية السلطة في شخوصها الموضوعة حسب التسلسل الشطرنجي ما بين آلية التنفيذ ومشروطية إبداع الأسلوب في العلاقات التي تداخلت بين المفهوم العام وخصوصيتها في إطار إنساني بتعقيداته المجتمعية وارتباطاتها المسبوقة وقتياً، القصص القصيرة جداً ( 2 ) " 1 - التصريح والوصية و 2 - الرثاء "  تناولتا حالة من حالات المهجر ونهايته بالعدم الذي تكلل بالموت السريري لكن بفارق الرؤيا حول الارتباط بالوطن، فبطل القصة الأولى  التصريح والوصية " ع . ر" عندما كان يسأله البعض من معارفه " ــــ أبو حسين إلا ترغب العودة لبلدك العراق بعدما سقط نظام حزب البعث" فيجيب بأنه لا يريد العودة للعراق لو منحوه له ملكاً بشكل قانوني ورسمي فيجيب بقوة واستفزاز " لن ارجع والله لو أعطوني العراق ملكاً طابو رسمي"  لكنه يقول في آخر المطاف أثناء احتضاره " ــــ وصيتي إذا متُ ادفنوني في العراق وهي أمانة في رقابكم " عند ذاك دفن حسب وصيتهِ.

 إلا أن بطل قصة الرثاء المناضل الوطني "  ع . ج " فهو يتمنى العودة ماشياً على قدميه من الحدود" والله يا صديقي إذا سقط النظام عندي أمنية أن أعود ماشياً من الحدود إلى العراق وأن  ادفن فيه بعد موتي" لكنه دفن في المهجر ولم تتحقق رغبته بالمشي أو بالدفن.

القصص ( 6 )  الباقية تندرج تحت طائلة العديد من العقد الاجتماعية التي تتحكم فيها الظروف القاسية في مجتمع محكوم بالعصي والرصاص والتعذيب والقتل في التغيب والإعدام والسجن والاعتقال الكيفي لسنوات عدة ، وهي 3ــــ تنظيم حزبي، 4 ــــ غائبون في قصر الملك، 5 ــــ صومعة طرطميس اللغوية ، 6 ــــ  هذا الحصان لكم 7 ــــ السلام على حليمة،  8 ــــ  تابوت للموتى كافر.المجموعة تنازعت للتسابق في أحداث اجتماعية وسياسية ونصوص ما بين الواقعية والرمز، ففي " صومعة طرطميس اللغوية" تلتمس الأسلوب الرمزي في الصراع الدائر في مجتمع متناثر  تعيش قواه على هامش الموجودات الحياتية بعلاقات يسودها عدم القناعة بالطابع الاجتماعي عبر تواريخ مبهمة وتظهر هذه الصور من رمز المقدمة

                  " ـــ طرطميس قد يفهم الجمعة ولا يفهم الخميس! "            

" تنهد أبو حرباء بعمق ٍ بعد العدّة والعدد الذي حاور فيها أصول الفطنة في تعلم الخدمة وخاتمة  الكلمة في مثقالها فقيل في الأمثال

ـــ ذكرته كتب التاريخ في آلاف السطور والصفحات في الخيال والمنظور فما قيل عنه إلا ما قالته رعناء الاندلسية وهي تبدأ رحلتها الصباحية بصحبة كلبها " ملحوس" لا نعرف لماذا سمته ملحوس.. ولا نعرف لماذا لقبت بالأندلسية مع العلم أنها كردية فيليه وَفضلت أن تلقب بالبغدادية أو الكردية لشدة حسها القومي والوطني وحبها لألف ليلة وليلة وقصة " كاوه " الحداد والطاغية الضحاك.." بينما تتميز القصص الأخرى بالواقعية والفترات الزمنية المختلفة وتتميز قصة " هذا الحصان لكم " كونها تنتقل إلى مكان مختلف وزمان يبتعد عن أحداث القصص الستة الأخيرة.. كم هو حال القصة " تابوت للموتى كافر "

القصة " غائبون في قصر الملك " وهي القصة الرئيسية التي سيمت المجموعة باسمها تتناول أحداث تراجيدية بشكل تجريدي تقريباً ، قصة محامي سوي اعتقل في ظروف تكاد أن تكون نهجاً للوصول للأسرار حتى الشخصية، خلال سير القصة نجدد تداخلات لشخصيات طارئة تدخل في صلب حدث الاعتقال الكيفي الترفيهي والمبرمج  حيث لا تبتعد عن موضوعة قهر الإنسان وسلب إرادته وحريته وتكاد تستمر التفاصيل والتعرجات الى ما لانهاية وبخاصة بعد وصولها إلى الخاتمة.. نسيق المقطع التالي كمثال عن هذا التناثر في الأسلوب والحبكة القصصية..

" أصبح الوضع أكثر تعقيداً لعدم وجود فواصل بين المحاسبة لمعرفة الحقيقة والشر من المحاسبة للسحق والتدمير مهما اختلفت الرتب الحزبية أو الوظائف الرسمية، الكل تحت مطرقة الشك والنميمة، لم تكن الأيام كما يتصورها البعض  ذات معنى ومرضية، أو بلا معنى تمر بدون أعين سحرية للمراقبة لتشخيص الأعمال والانفعال واعتبار النقص  هو السائد في الممارسة والتطبيق فالكل مهيأ لوليمة ما لمجرد الشك والنميمة، الأيام تمر بدون الإحساس أنها وقت محسوب  في التداخل ما بين الخوف على المصير أو الشك بكل شيء حتى بأنفسهم، والأيام تمر بلذة خلق المصادفات وفرضها كضروريات وهي تمر ثقيلة وسمجة إلا في حالات الاحتفالات السادية التي تغري النمط الروتيني المعتمد على سلب كرامة وإنسانية الإنسان وهذا بحد ذاته يُجَدد ديناميكية التواصل في اللذة عند رؤية الدم والا فالأيام بدون ذلك تبقى ثقيلة وبطيئة كأنها أعواماً رصاصية لا حصر لها، الشيء الممكن أن تتصرف بأمر فوقي مرسوم وتنفذ حسب المشيئة وإلا كانت بوجوه مصنفة تساعد الاحتفال المعني على أن ينمو فيه جرذان القرض بتحرك لولبي تذكر عقل الجرذ الكبير..

 ففي إحدى حفلات الصيد الليلية المبنية على المصادفة، هكذا كانوا يطلقون عليها  عملية الصيد الليلي التي كانت بهدف التخلص من الكآبة والكسل والانتظار الممل، بعد منتصف الليل تم اصطياد رجل فقير شبه قروي جاء من ريف العاصمة لزيارة ابنته وأولادها حاملاً ما يمكن على سند المعيشة وإذا بسيارة فولكس واكن تصطف بجانبه ويهبط منها جرذان القرض سأله أحدهم  ـــ ما اسمك؟ .. في البداية تراجع قليلاً دون خوف وسألهم بشيء من الغضب ــــ لماذا ؟ .. فصرخ به أحد الاثنين بعد أن خزه بعصا مدببة كان يحملها فشعر بألم حاد وصعقة كهربائية ارتجفت يده من وخزتها، ـــ ابن الحيوان أسالك ما هو اسمك، أنت لا تعرف من نحنُ؟

 عند ذلك أحس القروي بخطورة الموقف وبرهبة من كلمة " نحنُ " فأجاب مُقَطعاً

ــــ كككا كاظم أبو زينب

جاء صوت أجش من داخل الفولكس واكن

ـــ هو!.. أليس كذلك.. نعم قد يكون المطلوب ، اجلبوه وسوف نرى.

 تلقفوهُ بلمح البصر لم يعرف أين أصبحت مشترياته الفقيرة ولا يعرف كيف وماذا يقول أو يسأل منهم وما هو الأمر غير انه وجد نفسه  في المقاعد الخلفية محاط بشخصين لهما رائحة روث الخيل أغلقا عينيه وفمه بفوطة سوداء من قماش الكتان بعدما قام احدهم بالبصاق على وجهه وبصفح رقبته بقوة، ثم وشوشا معاً بصوتٍ واحد منخفض لكنه يدل على أمر نهائي ..

ــــ اخفض رأسك يا حيوان .. اسكت، اسكت ولا كلمة ، ارتعش كيانه وراح في شبه غيبوبة ورأسه بين فخذيه من الأعلى

 ــــ دع راسك هكذا، اسكت والا سوف ننكحك في السيارة، هذا أنت هل صحيح اسمك كاظم أبو زينب أم أنك تختفي وتخبي اسمك الحقيقي ؟  ولهذا لم تذكر اسم أبوك يا كواد تريد التمويه حتى لا نعرفك بشكل جيد

تجرأ وهو يرتجف ــــ اسم والدي هو إسماعيل النعمان، أنا كاظم إسماعيل النعمان، أبي والله ميت منذ الفيضان الكبير إنهُ معروف في منطقتنا دخيل الله ودخيلكم. تريدون اسم عشيرتي حتى تتأكدوا!

هذا يعني هو مهدد بشرفه الشخصي والجسدي في قبضتهم وهم يستطيعون أن ينكحوه يا للمصيبة بدون خوف أو وجل ، ثم سمع الصوت الأجش يقول لهم

ــــ جيد، لا نريد اسم عشيرتك الخراء يا ابن النجس إسماعيل النعمان، سندقق بأمر والدك ووالدتك، اسمعوا إذا رفع رأسه أو نطق بكلمة بدون أن تسألوه جردوه من ملابسه  وانكحوه فوق الجسر.

بعد دقائق  سأله الذي كان جالساً إلى يمينه

ــــ  ماذا كنت تعمل بعد نصف الليل في المدينة لابد انك في مهمة سرية؟، أم حرامي لو مجرم هارب،  من مظهرك تبدو انك غريب؟

أكد الثاني من يساره

ـــــ يا غريب انظر إليه كأنه إبليس اللعين ، يظهر انه يعرف المنطقة شبر خلف شبر اعتقد لديه مهمة سرية يريد تنفيذها...

 أراد الإجابة إلا أن صاحب الصوت الأجش صفحه على عينيه المغلقتين بشكل قوى وصاح به ــــ مهمة تخريبية بعد نصف الليل يا كواد هل تعتقد لا توجد مراقبة، وتتصور أن الأمن نائم، لالالا ليس بحرامي ولا مجرم انه ضد القائد وضد الحزب ومتآمر ضد الدولة وقد يكون عميل لدولة أجنبية تريد أن تخدعنا بهذه الملابس والعقال والاشماغ.. لابد انك تحمل منشورات تريد توزيعها،  وتابع ـــ فتشوه وفتشوا أغراضه

 ضحك آخر وقال  ــــ أغراضه التحتانية وأغراضه الفوقانية!

 ضجت الفولكس واكن بالضحك والسخرية  بينما علا صوت  وهو يقهقه ــــ هههههه انتبهوا عليها من السرقة، راح نسرق أغراضك التحتانية هههههه

رد  أبو زينب متردداً " ـــ السيارة تأخرت بالطريق تعطلتْ وتأخرت بسبب التصليح، والله ثم والله أنا لست ضد القائد روحي فداه ولا ضد الدولة، أنا رجل فقير ليس لي صلة لا بالسياسة أو الأحزاب والمنشورات، ليس لدي سوى بعض المؤن لابنتي وأولادها، قليلاً من بانية وفاصوليا يابسة وتمر وتمن ودهن حر وووو حامض حلو للأطفال وشاي وقليلاً من السكر دققوا فيها، والله العظيم اشتريتهم بالدين من أبو حسين الشمري صاحب الدكان في منطقتنا، الكيس موجود والأغراض فيه فتشوها هي عندكم.

  راح يبكي بصوت نواح سمعه الجميع فصرخ به صاحب الصوت الأجش

ــــ  ابن الزنا تبكي وتنوح انتظر حتى نصل وسوف نريك كذبك ، قد تكون المنشورات مخبئة بطيزك سنفتشه عندما نصل.. قلنا لك اسكت لا تبكي أمسح دموعك

 تراجع ومسح دموعه الحارة لكنه كان يبكي بصمت وبحرقة ، بكى بدمع كأنه جمرات فحمٍ حجري وهو يمضغ جوانب فمه حتى سالت من جوانبها الدماء.. بقى يهتز مع أي اهتزاز وبعد مسير نصف ساعة حسبها دهراً توقفت الفولكس واكن، هبط الصيادون تخيل كل واحد منهم بحجم بعير، صاح به صاحب الصوت الأجش

ــــ انزل ابن الكلب، راح ننكحك بالغرفة، حتى أنطلع المنشورات ههههههه من ط..... خلي عشيرتك كلها تعرف ، تريد أن تحارب الحكومة

 اندفع على ركبتيه هابطاً  في ارض إسفلتية حارة فسحبوه من عقاله بعد أن وضعوه في رقبته، سحبوه وسحبوه وراحوا يسحبونه وهو صامت يبكي حظه العاثر وعلى الرغم من شعوره باقتراب الموت فلقد سمع إن من يقع بين أيديهم لا يمكن أن ينجو ، وتذكر في احد احتفالات الجمعية التعاونية لفلاحي منطقته ومقطع شعر شعبي من قصيدة نسى مطلعها "حرز جابوك للقلعة وأنا خوك.. عقل شد ابذرعانك ونخوك.. متنخاني وناخوك"  نسى بقية الابوذية وتذكر ما قالته زوجته أم زينب " لماذا تسافر الآن سوف تصل نصف الليل ، سافر غداً صباحاُ، أحسن من ظلام الليل وفواجع الزمن ، عيونك ضعيفة وووو" قاطعها حاسماً الموضوع

 ــــ حتى ارجع غداً بدلاً من بقائي يومين، أم زينب قولي يا الله لا تنهين النهوة مو حلوة

أجابته بسرعة ــــ يا الله، تذهب وترجع بالسلامة بجاه الأئمة وكل من عنده جاه عند الله! إن شاء الله لا نهوة بالسلامة  سلم لي على زينب وزوجها وبوس الأولاد قل لهم جدتكم ستزوركم قريباً..

 سحلوه هابطاً جسده على عدة سلالم ثم توقفوا فقال صاحب الصوت الأجش

 ـــ بعدين فتشوا طيزه وإذا لم تجدوا شيئاً اجلبوا زينب وأمها وفتشوا طيازتهم ..

 لم تمر سوى ثواني حتى دفعوه بقسوة  فاصطدم بباب حديدي وتعثرت أقدامه ببعضها، بعد برهة صر باب حديدي تخيله فم كبير يبتلع كل شيء ثم قذفوه إلى الداخل وهو معصوب العينين، ظلام أكثر كثافة ولم تمر سوى ثواني حتى سمع الباب الحديدي يغلق ثم عم صمت إلا من بعض الأنفاس البشرية التي تتابعت كأنها أنفاس كلاب صيد  تعدو خلف أرانب برية، بهدوء حرك جسده الهزيل فاصطدم بأرجل بشرية وبكتلة لحمية حارة، خاف لا بل أصبح كتلة من الرعب اللاواعي وراح يجهش بنشيج كأنه  يحضر جنازة ميت عند قبرٍ في مقبرة نائيةْ ، نشيج متقطع يصاحبه أنين ونواح متواصل " ـــ اويلاه، أويلاه، أويلا لاه " أراد التحرك نحو الجانب الثاني ومد يده فإذا بها تهبط على كتلة لحمٍ أخرى رخوة  فأصابه ذهول وتصور نفسه في مدفن للموتى، جهش وهو يضع يديه على رأسه " ــــ اويلاه يابه.. أويلاه أين أنا " ثم تابع بهمس  ـــ لو سمعت كلام أم زينب!" فأدركه صوت من الكتل اللحمية

 ـــ آخ أويلاه لو سمعت كلام أم زينب لما أصابتك هذه المصيبة .. ارتاح لا صغراً يا أبو زينب أنت مُكرم في قصر الملك

 صبر قليلاً وبقى يدير الفكرة في رأسه ثم تدارك نفسه..

 ــــ يعني شنو قصر الملك؟ يا ملك..

لم يجبه صاحب الصوت إلا بعد دقائق

 ــــ يعني قصر الملك فيصل الثاني الله يرحمه واليوم أصبح قصر النهاية يا أبو زينب .. هههههه يبدو انك سمعت عنه لكن لا تريد أن تَذكرهُ بالاسم ، بلي  أغاتي يا أبا زينب في قصر الملك ألف رحمة على روح والديك شنو نسيت؟

زاد نحيبه وصرخ هذه المرة بقوة " ـــ والله ما نسيت ، اويلاه  قصر النهاية لماذا هذه المصيبة يا الله ، اويلاه ، اويلاه.. والله  لم اعمل أي شيء وليس لدي منشورات.

 رد عليه صوت آخر

ـــ بسيطة هذا حظك راح يدبرون لك منشورات تكريماً لك.

 ساد سكون مخيف، غاص أبو زينب في لجة جب عميق من الرعب، بقت كلمات أم زينب تدق طبلتي أذنيه  ــــ آه لو لم تنهيه أم زينب!.. "

نهاية أبو زينب هي أكثر تراجيدية من حفلة الصيد الموضوعة سلفاً، ليس أبو زينب فحسب بل لكل ضحية يقع بالمصادفة تحت أيديهم الوحشية، تبدو نهاية الغائبون في قصر الملك مريبة في حيثياتها وتداعيات الزبالين في نهاية رحلتهم الشبه خيالية لكنها واقعية بالتخطيط والتنفيذ والهروب ويأتي ذلك من أوامر المسؤول الأمني الذي يوجه احد ازلامه ويأمره بالتنفيذ السري..

"ـــ تأخذ السيارة واتركها في إحدى مناطق الرصافة البعيدة، هل تعرف نحن في الكرخ..

 هز الطويل رأسه  وقال ـــ سيدي طبعاً في الكرخ .  واصل صاحب الصوت الأجش حديثه ــــ  تتركها في مكان  لا يدعو للريبة  أو الشك اجعل الأمر طبيعي كأنها واقفة لا أكثر ولا اقل ، وقبل أن تتركها عطل محركها لتبدو أنها عاطلة إذا ما وجدوها، وإذا وجدتَ أغراضاً للزبالين أو السائق تخلص منها في مكان بعيد، وبعد عودتك اخبرني من فورك عن النتيجة، ثم يجب أن تدرك أنها مهمة حزبية ورسمية وسرية ووحدك المسؤول عن هذه العملية أو إفشاء سرها

 هز الطويل رأسه موافقاً وأدى التحية قائلاً ــــ  أمرك سيدي ..

لم ينبس بأي كلمة ومن فوره صعد إلى مقود السيارة وأدار المفتاح فضج محركها بصوت قوي ثم تحرك بها عبر البوابة الداخلية واجتازها ثم وصل الباب الرئيسي وضغط على الفرامل بشكل قوى مما زاد سرعتها متوجها عبر عدة نقاط تفتيشية إلى جانب الرصافة ثم غابت السيارة عن الأنظار...

***

قيل أن السيارة وجودها معطلة بعد يومين من التفتيش وسبق أن تم تبليغ  الشرطة عن اختفائها والعاملين عليها، وجدوها معطلة لكن لم يجدوا السائق أو الزبالين  فأشاعوا  أنهم أرادوا سرقتها لكنها تعطلت فتركوها ولاذوا بالفرار، السائق وجدوا جثته على مزبلة في منطقة سبع أبكار مشوهة بدون رأس ولا أطراف فضاعت معالمه  " وقيل أن الزبالين كانا مختفيين تحت أكداس الزبالة في المكان الكبير المخصص للزبالة بالسيارة وانهما وبمجرد ترك السيارة في العلاوي منطقة جميلة غرب بغداد وبعد ذهاب الرجل الطويل انسلا من تحت الزبالة بهدوء دون أن يحس أو يشاهدهم أي شخص، تركا السيارة مختبئين  ولم يباشرا عملهما كما تركا بغداد هاربين  واختفيا عند عشيرتهم في ريف محافظة العمارة في الجنوب ولم يذكرا ما حدث حتى إلى اقرب الناس لهما إلا بعد سنين طويلة .

مجموعة " غائبون في قصر الملك " مميزة في التعيير والأسلوب وتكاد أن تكون نوعية في السرد والتداخل مع موضوعات عقدية في مجتمع سادته حقب طويلة ممارسات القمع والاضطهاد اللاانسانيي، سادته عمليات قتل واغتيال وأضافت إلى مأساته الشاملة مأساة الحروب التي حدثت في تلك الحقبة.

Popular News

صدر مؤخرا عن مكتبة كل شيء في حيفا كتاب "ملامح…
26/7/2014 لايتجاوز الوعي الابداعي الانساني الموجودات التي تحاكي ذاته، وتنشأ…
يتميز الاديب في  اسلوبية خاصة تنتمي الى ابداعه  , في…

حجاج معرعرين وخطة سعودية معرعرة.... الصدر وعرعر جسرا الخليجيين إلى بغداد- كريم السماوي

الأحد, 20 آب/أغسطس 2017 00:00 تم النشر من قبل

 

قام صدام حسين في نهاية التسعينيات من القرن الماضي بالسماح إلى مجموعة من العراقيين، وغالبيتهم من أهالي السماوة بالسفر إلى الحج عن طريق منفذ عرعر الذي يربط العراق بالسعودية، وجهز لهم مستلزمات السفر، وكان هذا السماح بعد استيفاء العدد المحدد من العراقيين للحج أصوليا. أي أن صدام أراد إحراج السعودية التي بذلت جهودا لمنع هؤلاء الحجاج من الدخول عبر منفذ عرعر وهم لا يتمتعون بالموافقات المشروطة ولا الفيز اللازمة، وحدثت أزمة واضطر هؤلاء الحجاج إلى المكوث عدة أيام في منفذ عرعر في الصحراء وفي جو من البرد القارص.

جاءني أحدهم وأنا في بغداد قبل السفر وأخبرني بالحكاية، وأنه مشمول من ضمن هؤلاء الحجاج، ورغم أني نصحته بعدم السفر إلا أنه تجاهل نصيحتي وسافر، حتى عندما أخبرته أن السعودية لن تسمح لهم، وأنهم فوق هذا وذاك فإن السعودية ستشك بأن أغلبهم من المخابرات العراقية وربما مكلفون بخطط مشبوهة بالنسبة للسعودية في ظل التوتر القائم أيامها بين العراق والسعودية، تجاهل نصيحتي وسافر ومكث عدة أيام في منفذ عرر، وحين عاد متعبا وخائبا لم يسعني سوى التندر منه، فقلت له يعني أنت وأصحابك صرتم حجاج معرعرين، وهي جملة مثيرة ومغضبة، فانتفخت أوداجه منها، غير أني لم أكترث لذلك وانفجرت بضحك متواصل مما ضاعف غضبه عليّ. والحقيقة أقولها اليوم أني كنت أعني بجملتي أنه وأمثاله صاروا أضحوكة أيامها، وأن أفضل وصف لهم أنهم حجاج معرعرين، وكلمة معرعر يعرفها العراقيون جيدا وتعني في أبسط معانيها أن الموصوف بها غير متماسك، كأن نقول باب معرعر، أي باب غير متماسك. وكلمتي بحقه وكأنها بالنسبة له جاءت في مقتل.

اليوم تعيد السعودية الحكاية عكسيا، رغم أنها تعاني من توتر مع العراق أعمق من مرحلة صدام الأخيرة، وفي ظل كراهية لها من معظم أبناء الشعب العراقي، ومع هذا اتخذت خطوات للتقرب من العراق، أو إرسال رسالة عبر فتح منفذ عرعر نفسه الذي ظل مغلقا فترة طويلة، وترى أنه وسيلة للتقرب من العراق بعد أن تآمرت عليه سنوات طويلة، ولأن هذا المنفذ وحده لا يكفي لمثل هذه النقلة بعد أن حاولت بكل ثقلها السياسي والمالي جعل العراق دولة فاشلة وأرسلت الأموال والانتحاريين ونفذت أقذر الخطط الجهنمية والإجرامية بحق العراق، وأرسلت انتحارييها من التكفيريين لتفجير أنفسهم في الأبرياء بعد أن أقامت لهؤلاء الانتحاريين مزادات علنية لبيع أنفسهم في فنادقها ومساجدها وغيرها من الأماكن وهو ما كان ثابتا بالصوت والصورة ومؤكدا ويدينها أمام المحاكم الدولية، وبعد أن فشلت كل خططها بما فيها دعم داعش في الموصل ودواعش السلطة من السياسيين العراقيين، وبعد أن فشلت في كل محاولاتها تلك، غيرت خططها اليوم وارتأت أن في منفذ عرعر منفذا لها لدخول العراق من باب الحرب الناعمة بتحسين علاقاتها بالعراق، ولأن معبر عرعر وحده لا يكفي دعت السيد مقتدى الصدر ليكون البوابة الموازية لخطتها الجديدة، لما تعرفه من أن السيد مقتدى الصدر له حضور ومكانة في الشارع العراقي، وهو ما يجعل كل عراقي يشتبه بخطتها مقدما، خاصة وأن السيد مقتدى الصدر لم يُصدر لحد كتابة هذه المقالة، لم يصدر بيانا يجلـّـي به الحقائق، ولم يخرج علينا بمقابلة تلفزيونية مثلا ولو مع فضائيات محسوبة على السعودية أو سياستها، بل إن السيد مقتدى الصدر زاد الأمر غموضا حين قبل دعوة دولة الإمارات العربية لزيارتها، وقابل هناك الشيخ محمد بن زايد والشيخ أحمد الكبيسي، ومن ثم ازدادت الشكوك أكثر بعد أن تسربت أخبار بتوجيه دعوة رسمية للسيد مقتدى الصدر لزيارة مصر. وهذه الدول المشار إليها هنا وهي السعودية والإمارات ومصر تمثل أهم الدول في خلافها مع قطر بما يكفي تماما لأي عراقي للشك بنوايا هذه الدول التي تدعو شخصية مثل مقتدى الصدر لا يمثل منصبا رسميا في العراق وإنما يمثل تيارا تـُـضعف من قدراته وشعبيته مثل هذه الزيارات المشبوهة وقد يوقعه في مشاكل مع الدولة أو الشعب في العراق، خاصة وأن السيد مقتدى الصدر تعرض قبل فترة لتهديدات بالقتل أشار إليها في خطبه، أي أنه بات اليوم كمَن يمد يده في كورة الزنابير. فالسعودية كانت الدولة الأبرز في توريط صدام بحربه مع إيران في الثمانينيات من القرن الماضي مقابل وعود بتحمل نفقات الحرب، وهي هنا أيضا يمكن أن تدخل السيد مقتدى الصدر في رمال متحركة لا ينجو منها شخصيا، لا هو ولا تياره.

وهذه الزيارات العلنية للسيد مقتدى الصدر أثارت شكوكا رسمية وشعبية عمّا وراءها مثلت ضغوطا كبيرة على الصدريين، خاصة وكما قلنا أن التيار الصدري لم يصدر بيانا شافيا ولم يقم زعيم التيار بمقابلة تلفزيونية يجلـّي فيها حقيقة الموقف، بل قام بالطواف حول الكعبة في زيارته للسعودية وسط هتافات من أنصاره " علي وياك علي " مما يعني أن الجمر ساخنا جدا تحت الرماد وهو ما يمكن القول عنه أن السعودية باتت تسكت عن ذلك بمضض وهي ترى فشلها ليس في العراق فحسب بل وفي اليمن وفي سوريا وفي البحرين وفي لبنان وغيرها، كما وترى  خصومها اللدودين من الإيرانيين هم وحدهم الذين باتوا يقطفون ثمار صمودهم وعلاقاتهم الدولية خاصة بعد فوز الرئيس حسن روحاني بفترة رئاسية ثانية، وحضور وفود أكثر من مئة دولة للتهنئة في حفل تنصيبه، منهم عدة رؤساء دول.

الأمر الوحيد الذي تابعناه عن هذه الزيارات للسيد مقتدى الصدر مقابلة أجرتها قناة الميادين مع حاكم الزاملي عضو مجلس النواب ورئيس لجنة الأمن والدفاع البرلمانية، ورئيس لجنة التحقيق في أسباب سقوط الموصل بيد عصابات داعش الإجرامية، والذي ينتمي للتيار الصدري، غير أنه شخصية مختلف عليها، وعليه اتهامات منذ أن كان وكيلا لوزارة الصحة. وبهذه المقابلة كانت أغلب تبريراته لزيارة السيد مقتدى الصدر للسعودية تبريرات شخصية تنبع من تحليلات ذاتية، جنى من ورائها كثيرا من النقد والشتائم في مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما يضاعف الضغوط على التيار الصدري لإصدار بيان وافٍ عمّا وراء هذه الزيارات يكون مرجعا لما بعده من خطوات يقوم بها زعيم التيار الصدري أو تياره، ولأن حاكم الزاملي نفسه والذي يمتلك رصيدا من المعلومات الخاصة بحكم عمله قال في مقابلة تلفزيونية سابقة وجوابا عن سؤال عمّا يمكن أن يجري في العراق بعد العيد قال:" أيام حبلى، الله يستر، البلد ليس بأمان.. ". ولعل ما أشيع بعد عودة زيارة السيد مقتدى الصدر من السعودية من جلبه لعشرات السيارات رباعية الدفع والمتعارف عليها في العراق باسم " الجكسارات " ونزولها في مطار النجف بعد إغلاق كاميرات التصوير يجعل الأمر مريبا. فمثل هذه السيارات إن ثبتت حقيقتها ووصولها بهذه الطريقة الغامضة تعتبر في الأقل رشوة مطلوب ثمنها إنجاز ما لا يمكن الإعلان عنه.

الأمر الذي استبشرنا فيه خيرا هو زيارة وزير الداخلية العراقية قاسم الأعرجي إلى السعودية رغم اعتراض البعض على مثل هذه الزيارة، ولكننا استبشرنا فيها خيرا لأنها في الأقل تمثل زيارة لمسؤول رسمي مرموق ومعروف بهدوئه وإنجازاته، كما إنه صدر بعدها تبرير منطقي وسليم من الجهات العراقية يشير إلى أن السعودية تريد تحسين علاقاتها مع إيران أو في الأقل تخفيف التوتر معها وأنها اختارت البوابة الرسمية العراقية لذلك وهو مدخل مصيب تماما. والعراق الذي حرر الموصل من عصابات داعش بتضحيات جسام وقامت السعودية بتهنئتة على هذا النصر، رغم شكوك البعض من أن هذه التهنئة لا تعبر عن حقيقة مشاعر السياسيين السعوديين، وأنه نوع من النفاق السعودي الجديد،والسعودية اليوم مدعوة ولو ظاهريا بمباركة تحرير تلعفر القريبة.

وهنا نود أن نشير إلى أن ما جاء في الأخبار وبات حقيقة: الصدر وعرعر جسرا الخليجيين إلى بغداد.. كل هذا وذاك يدفعنا إلى العودة إلى صدر المقال فنصرخ في وجه السعودية وحلفائها،وبحق،بأننا لا نريد حجاجا معرعرين، ولا الدخول من أبواب معرعرة..

حقيقة التنازع وتجلياته في سوبارتو لحليم يوسف- ريبر هبون

الجمعة, 18 آب/أغسطس 2017 00:00 تم النشر من قبل

يعالج الكاتب حليم يوسف المجتمع كونه نسيج جامع لكل الصفات المختلفة للبشر ، حيث تعالج الرواية القبح والتشويه والاضطراب إلى جانب انتصارها للحلم والأمل والتبشير بعالم أفضل، لذلك تبدو الكوميديا في ذاتها موقفاً ثابتاً إزاء العسف والجور الذي يتم ارتكابه، إلى جانب العته والجنون، وكذلك التزلف والتملق، وهكذا فإن الرواية الاجتماعية تجسد ألواناً متعددة يحملها الشخوص عبر تلك الحوارات والسمات العامة للرواية في كونها تقدم للمتلقي ، طبيعة الحال، والألم الساري في نفوس أفراد يلازمهم العجز المكتسب، والحاجة للبروز في نسيج المأساة الحاصلة، حيث ثمة جلد ذاتي حاصل بلهجة السارد للحدث يقدم البشر في سوبارتو على أنهم فلول وحشية وخائنة، حيث إسباغ الانفعال على المشهد ، عبَّر عن نزق فني حقَّق قدراً من الإثارة والتتبع، حيث أن إثارة الضحك هو في ذاته إثارة للحزن، فيما أن تيقنا كنتيجة من أن الحزن والضحك مركبان من هيئة واحدة وهي الحياة، حيث لا تبدو الأمور منصفة بجزئيتها، فيما لو تم تناول سوبارتو كحصيلة لجهود عقلية، ولكن كان للجو المركب من هيئة الألم والضحك بمثابة الاكتمال للمشهد العام، الملم بجوانب الحياة في ظل المجتمع الذي يعيش في أتون معارك وصراعات لا تكاد تنتهي، حيثما تقف المأساة على إيقاع الحياة الرتيب أحياناً ، نجد الدعابة والفكاهة ماثلة في أجواء الحدث وعلى مستوى الرواية النقدية بعمومها، كأن المعري2 كان محقاً تماماً حينما قال:

وشبيهٌ صوت النعيِّ إذ قيس بصوت البشير في كل نادِ

أبكتْ تلكمُ الحمامة أم غنَّت على فرع غصنها الميَّاد

صاحِ هذه قبورنا تملأ الثرى فأين القبور من عهد عاد
خفف الوطأ ما أظنُّ أديم الأرض إلا من هذه الأجساد

وقبيح بنا وإن قدم العهدُ            هوان الآباء والأجداد

إبراز هذا التناقض هو المقصد من إبداء الفعل الروائي، كموقف يحتوي على أفكار ترتدي لبوس الثورة والخروج عن العرف الجامد، وكذلك بغية إشعال العقل وإشغاله بمقتضيات التفكير بالمجتمع عبر طرح التغيير كمسؤولية تاريخية صميمة ، ينقلها الأديب أو الروائي ليبقى دوماً على مسافة معينة من المتلقي في كل عصر ومكان، لهذا فبتقديمنا لتلك المفارقة ما بين ما قاله المعري لإبراز ذلك التشاؤم عاكساً في الآن ذاته التشاؤمية الواضحة في هذه الرواية المفتوحة على كل الاحتمالات والتفاسير على صعيد العقل والتحليل والانطباعية ، كل ذلك يمثل دوام الهاجس الفني في تحقيق جمالية المباغتة وتحقيق المفاجأة على صعيد تفجر اللغة والحوار، وكذلك كونهما يؤديان معاً وبالتزامن مع الحدث الشيء الذي لا يمكن أن تعرضه البحوث العلمية التي تعالج الأشياء على نحو يقتصر على الموضوعية والحيادية ، أما عن الرواية فهي تعالج الإنسان، آلامه، أحلامه، وكذلك العثرات التي تواجهه على صعيد تجاربه النفسية والوجودية ككل، بل وتذهب لأبعد من ذلك من كونها تحاكي تساؤلاته الفلسفية في إطار جانبين متآلفين وهما خطاب العقل والوجدان معاً، ولعل ذلك ما يساعد المتلقي الفطن على استنباط رؤى جديدة وابتداع حلول وآليات أكثر حداثة وجدة في التعامل مع الأشياء بعين الفنان ونباهة الفيلسوف،وبمعرض حديثنا عن الكوميديا والغاية من عرضها في تفاصيل العمل الروائي فإننا نلمس ما قاله كرستوفر فراي3:  (الكوميديا مهرب، ليس من الحقيقة، بل من اليأس:إنها مهرب يأتي في آخر لحظة تؤدي إلى الإيمان)

لهذا فهروب الكاتب حليم يوسف يمثل تلك المحاولة المشروعة بتخطي الضعف على صعيد عيش الإنسان في أتون المواجهة إزاء الضغوطات والتحديات الجمة التي تقف في طريقه، لذلك كانت الكوميديا في ذاتها تشبثاً ببساطة الحياة وجوهرها وترفعاً عن الكآبة والحزن ، أي تأكيداً لمقولة أزرا باوند4 في كتابه ألف باء القراءة حين قال: لا مكان في أشد دراسات الفن صرامة للشعور بالحزن، والكآبة، فالأصل في الفن أن يُدخل البهجة على قلب الإنسان

لذلك نجد أن المسعى الحيوي للكتابة يتجلى في تحقيق الأثر في النفس، ربما نقلاً لحصيلة تجارب متعددة، وفتح قنوات للتحاور الأكثر إثارة، ليس ببروز الذات المنفعلة ، بل بإيجاد ذوات متفاعلة، تستطيع أن تهب روح الدلالة، وكذلك الخوض في الأغوار، إذ أن تجربة الرواية تعد نافذة رحبة لتقصي ما بالداخل من مساحات للتأويل والمقاربة، وكذلك للتعريف بجودة تجسيد التراجيديا، لدرجة التغني بالألم، وتحريض الروح على التفاعل، والانغماس بروعة اللغة وانسيابيتها في نقل مشقات وعقبات المجتمع، والتي تواجه أفراده على الدوام ، فشخصية أبو عمشة توحي عن رغبة جمة ومركزة في كسر طوق الصمت السميك، والذي ما لبث أن يتداعى وبقوة، حيث توحي الشخصية الإشكالية هذه عن تعرية للفساد الأخلاقي الذي يعتمل المجتمع المتعنت بفوضاه الناجمة عن التقاليد والأعراف التي لا تهدد القيم الجوهرية التي تؤسس لعلاقات أفضل بين الرجل والمرأة حيث نتأمل هنا ص74: مارأيكم أن أعدِّد لكم عشرات الأسماء من نساء سوبارتو هذه ممن يقمن بنفس العمل، ومئات الرجال الذين لا يعرفون من المدن التي يسافرون إليها بحكم أعمالهم سوى أفخاذ المومسات.آخرون يعملون ليل نهار مقابل مبلغ يضعونه بين نهدي عاهرة.حالات الزواج التي تحدث هنا عندكم، حسناً إذا سألك أحدهم عن معنى العهر، كيف تعرفه؟، اعتبر نفسك طالباً في مدرسة، ألا تجيب بأن العهر هو فتح الفخذين مقابل الحصول على المال؟

فطبيعة التغييرات الاجتماعية التي كانت لمنظومة الدولة القمعية اليد الطولى في بناءه حالت دون مواجهة الانحلال الأخلاقي، الذي جعل المجتمعات تعيش في دوامة الفقر والجهل ، حيث أن طمس الثقافات لصالح بروز ثقافة واحدة، وفئة حاكمة فارضة لهيمنتها ، جعل مجتمع القاع يبرز أكثر فأكثر، حيث تذهب معالم التماسك والحضارة، لصالح نشوب الفساد بأشكاله في كل مكان، حيث تبقى القيم هنا أسيرة العبث بها كما أشار الكاتب إليها عبر سوبارتو، ويبقى صراع الإنسان الفعلي قائماً وفي أوج احتقانه للحفاظ على القيم الأخلاقية الطبيعية، المرتبطة بالتكوين الذاتي للإنسان ومدى قدرته على المواجهة الفعلية ضد قوى الانحلال والتبعية والمرض، حيث يجسد الأدب ذلك التحدي في إبراز عيوب المجتمع وإشهارها بوجهه، ولعل هذه المصارحة اللاذعة ،تعتبر ظاهرة جريئة وفريدة من نوعها، والتي تجعل من الأعمال الروائية النقدية أعمالاً خالدة، نظراً لأخذها على عاتقها مسؤولية حماية المجتمع وإنصافه وكذلك الدعوة إلى نبذ كل ما يشوه حقيقة أن المجتمع يمثل في ذاته القوة التي لا بد من أن تنتصر من خلال إبراز عللها وتصدعاتها وكبواتها في ميدان الأخلاق والصيانة الذاتية، لبروز الحضارة التي تنتصر لمطلب الحق والواجب، حيث أن سقوط الحضارة مرده إلى تفشي التحلل في أوساط المجتمع ، وداخل مختلف فئاتها وشرائحها بفعل استبداد السلطة الشمولية وتفسخ مؤسساتها بشكل هرمي، ولعل ذلك يؤدي بنا للحديث عن كوراث القمع والترهيب الذي تمارسه السلطة الفردية لدوام مكوثها فالصراع القائم ما يلبث أن يودي بصحة المجتمع وسلامة أفراده، ويشير كذلك إلى عجز المؤسسة عن الوقوف بوجه المفاسد التي تنخر داخلها شيئاً فشيئاً، مما يعطي نتيجة مفادها أن الاختبار قادم في شأن إعادة تصحيح المسار السياسي والاجتماعي الذي يوحي بالنتيجة لحقيقة مفادها ان التغيير لابد وأن يسبب الفوضى في بداياته، لكنه في النهاية ينتصر للمجتمع ومصالحه، ولمجموع القيم الطبيعية التي تعد عماد تشكيل الحضارات، وبالتالي فإن ما أشار إليه الكاتب حليم يوسف وبإسلوب استطلاعي عام، هو من مؤشرات قيام تلك الانتفاضة الشاملة التي ستحدد طبيعة الواقع التالي فيما بعد، بعد انهيارات أخلاقية وتصدعات جمة خيب الآمال، وجعلت الشباب في حالة هلع ولا استقرار،ولاشك أن التركيز على الفساد الاجتماعي ، يرجح في الآن ذاته الاستبداد السياسي الذي جعل المجتمعات تعيش في تخبط وفشل تربوي فظيع، مما يجعلها عاجزة على استيعاب مضامين الحداثة الكلية التي تشمل الفكر والسياسة والمجتمع ، حيث نجد أن سوبارتو أرادت الحديث عن ما يعتريها من فساد يحوي جميع الصعد ، وما هذه البقعة التي يتحدث عنها الكاتب سوى أنموذج مثالي عن الأزمات التي يعانيها الشرق الأوسط والعالم العربي برمته، كما أن الحديث عن التحلل وغياب الحياة الطبيعية يشير إلى تفاقم الفساد الإداري وكذلك عجز الجهات المسؤولة على تفادي ذلك ومع الوقت يفشل الجهاز المؤسساتي من أداء وظيفته الموكلة على عاتقه ويصاب بالشلل والعجز التام الذي يقودها إلى التشظي والفناء كنتيجة حتمية، فالانهيار يقودنا إلى التنازع والتقاتل، وكذلك لتفكك البنى الرئيسية للمجتمع، وتصبح تلك الأقاويل والشعارات مجرد كلام في الهواء إزاء الخوف من الحاكم وأتباعه، الذين همهم الأول ترسيخ سلطتهم عبر قمعهم اللا محدود، ولاسيما أن ظاهرة التطرف هو نتيجة سلبية كارثية عن هذا الاستبداد والفساد الذي أشار إليهما الكاتب حليم يوسف في سبره لمعضلات سوبارتو وحوادثها، فهي مؤشر على تلك الهاوية واتساعها مع الوقت، فأمام هذا الكم من الانشقاقات الحزبية التي أشار إليها، ومن هذه المحسوبيات التي توغلت داخل الحزب المنادي بالعدالة الاجتماعية والثورة، يرقد الحب ميتاً ومضرجاً بدموع سليمان، الذي لم يعد يرى في الحياة سوى تلك الجماهير التي تبدو مثل كتل سوداء من الدخان، وسط أحزاب الغبار، والعالم المتداعي بخيباته الجمة حيث نتأمل هنا كيفية عرض المأساة بأسلوب يدعو للكآبة والحنق، ص86:“ قبل أن أكمل حديثي، تنفسوا الصعداء، تبعهم صابروا، مرة أخرى، واحداً بعد الآخر باتجاه المرحاض للتبول. رغبت في التبول على أرض الغرفة المزينة بالصور،شعرت بدمي يسيل من الصور المعلقة فوق رأسي.منعني الصداع من التفكير.خرجت من المحاكمة مترنحاً،كمن فقد نفسه.ارتميت على أعشاب قريبة من بيتنا. وضعت رأسي بين يدي وبكيت، بكيت كما لم أبكِ من قبل.بكت الأعشاب معي، بكت الأفعى المختبئة في حوشنا القديم، بكت الحجارة المتناثرة على قبر جدي، بكت الأرض، بكت السماء،عدت إلى البيت. مبلل الثياب، شعرت بأسياخ حامية تشوي لثتي . أسناني توجعني، رأسي يتشقق.كم أود أن أنام فلا أستيقظ أبداً.ما أبعد النوم وما أقرب الموت، كان هناك طفل من ضوء يجلس وحيداً على كرسي مشع،ينظر إليّ بود صامت.

فتلك الدراما التمثيلية بلغة وجدانية صاخبة، تحاول أن تنقل لنا ما وراء السطور، لا كونها وسائل لنقل الأحداث على نمط تسجيلي، بل إن جل غاية الرواية الاجتماعية،، المحاكة بروح وجدانية ذاتية، هو أن تنقل الصور والمشاعر والأحداث إلى المتلقي، ليعمد من خلالها إلى إعداد الذهن، وتهيئته للتساؤل والاستكشاف والقدرة على الفهم الجيد والجديد، لظواهر الحدث ومراميه، ولعل القارئ هنا، أمام اختبار ذهني داخلي، ليستخدم كل حواسه وروحه ، لأجل البحث عن مقاصد سوبارتو، وفهمها على نحو جاد ومرت، حيث يقف المرتدون عباءة التحزب، والمشغولون بتلفيق المفاهيم التبريرية لصالح الحزب الشمولي، الذي يلتف حوله عادة ، طغمة من المريدين الحمقى، ممن شربوا من آبار الوهم والانقياد والاصطفاف التبعي إلى جانب المصالح والمناصب، أمام الحب ورغبة التغيير الذي يقوم به سليمان، هنا بحزم بالوقوف عبره معترضاً على كل التهم التي تلتف حوله، حيث ينقل لنا الكاتب حليم يوسف اللذاعة الصريحة، في التصدي للتطرف العقائدي البغيض، الذي يعد جهة قمع أكثر فساداً ، وتعد بمثابة الدولة التي توجد داخل الدولة القمعية الشاملة، فبدلاً من أن تؤدي وظيفتها المفترضة، الدقيقة والموضوعية في تنظيم الجماهير والنخب الشابة، تقف عائقاً خشناً إزاء عواطف الأفراد وشؤونهم، باسم الشعارات الجوفاء التي لا تمت بصلة للواقع المعاش، وبذلك ينقل لنا الكاتب حليم يوسف الصورة التي تكتظ بالنقمة والصراخ، مجسداً عجز وإفلاس الذهنية الشمولية في قيادة الجماهير ونهضتها ، مستخدمة في الآن ذاته -التهويم النفسي- وهو ضربٌ من ضروب العبث والتأثير بالشباب غير الناضج، ليكون آلة تلقائية تتلقى الأوامر على نحو غرائزي تعويدي، مستخدمة الشعارات والخطابات، المليئة بالوعود والآمال، وذلك بزجهم في أتون أحلام طوباوية تعمل على إماتة التفكير النقدي الحر في أرواح مريديها وتلامذتها، للحيلولة دون تجاوزهم لذلك القالب.

وبذلك نجد التهويم ، النسيج الأكثر متانة الذي يلتف حول جماهير مسحوقة ، تعيش بين مطرقة السلطة الشمولية القامعة، وسندان الأحزاب الشمولية المرتدية عباءتي الموالاة والمعارضة، تماماً يتجسد ذلك في مجتمع سوبارتو، حيث يعتبر النموذج المثالي المصغر لمجتمعات الشرق الأوسط، والعالم العربي، إننا هنا في معرض تفكيك وتحليل واستنباط، لدلالات الرواية لكشف المضامين الجوهرية فيه، وكذلك الإشارة إلى جمالية اللغة، وقدرتها على الرصد والمواكبة والاستطلاع، ونقل الأفكار بصراحة لاذعة، لتعطي من حيثيات التقابل بين الشخوص عن طريق الحوار، تلك الرؤى التي نطمح لإظهارها عبر  إعمال النقد الكاشف لعلل المجتمع والتغيرات التي تطرأ عليه تبعاً لحوادثه، ولعل صرخة السارد، سليمان، توحي بمؤشرات التغيير الحية، وجعلت القلم النقدي يسهب أكثر في مواكبة ذلك، جاعلة من الانطباعية التحليلية، الحكم في التبحر والإتيان بمقاصد سوبارتو، عبر إيغالها بالمنتوج الإبداعي، والتطرق إليه من أكثر من زاوية، لبيان ذلك الوجه الأعمق والأهم الذي يأتي به النقد لنستخلص جوهره القائل بأهمية التطرق للأفكار التي تجلي الغمامة عن ما خفي وبطن في سياق الكلمة الأدبية، وتذهب لأبعد ما يوحي إليه النص، في إتيان إبداع يتغذى على إبداع موضوع على طاولة التأمل، فهنا كشف صريح لإشكالية التنظيم وسلبيات الفكر الإيديولوجي الذي يتعمد بهالة الشعارات، ودغدغة مشاعر الجماهير البسيطة، والذي تغذى تاريخياً من طقوس الأديان في تقديس نصوصها وتقاليدها والخضوع لزعماءها وشيوخها، الأمر الذي لا يستسيغه الفكر الحر، ويعتبره من أهم المعوقات التي تقف في طريق النهضة المعرفية والفكر الحر في كافة أنحاء الوجود الهندسي، كونه يعمد أبداً إلى قولبة كل ماهو غير قابل للتحنط والجمود ومثالاً الحب والعلاقة الطبيعية بين الرجل والمرأة، كل ذلك انتصاراً لنرجسية فكر الزعيم الملهم، ذلك ما يحاول سليمان أن يصل إليه في احتجاجه العفوي المتمرد، والمؤلم على محاكمته لحبه لبلقيس ابنة مسؤول الحزب فمطلب التعبير الفردي عن ما يختلج الأعماق والأفكار، هو تسليم بإرادة التغيير، وعدم السماح بتجاوزها تحت أي بند، أو مزعم، لهذا أمكن أن تتصارع تلك الحقيقتين، عبر التاريخ، لينتصر أخيراً مطلب التغيير المنصف لإرادة الإنسان ورغبته بالحياة، رغم التحديات والعثرات الموضوعة في طريقه، حيث تقف إرادة الفرد المعرفي ضد بواعث الخطر والدمار الذي من ممكن أن ينجم عن التنظيم السلبي وعدم استيعاب طاقات الشباب الذهنية، عبر الاكتفاء بزجهم في صراعات داخلية تفرغ الطاقة الإبداعية منهم وتسلبهم طمأنينة الحياة الأفضل،وكذلك فإن بحث تجارب المجتمعات في مواجهتها لقوى التهويم والجشع الربحي يعطي حقيقة مفادها، أن ثمة ذلك الصراع الرهيب بين قوى المعرفة التي تصون القيم مقابل قيم تعتاش على زوال تلك القيم التي تشكل عماد بقاء تماسك المجتمعات ورقيها باتجاه المزيد من التقدم والحضارة،حيث نمعن في شخصية دينو الثائر، والذي يهيل عليه المجتمع بتهمة الجنون، كونه يذهب عكس التيار، ويتجاهل التعامي والفساد الملاصقين لبعضهما والمحيطين بالأفراد، حيث نتأمل هنا: ص94: صابرو ودينو دخلا كلية الآداب، أما ابراهيم فقد دخل إلى كلية الهندسة الميكانيكية، صرنا أمام وضع جديد، صابرو لن يدوام إلا في شهر الفحص فقط،ولن يدوام معي إلا ابراهيم ودينو الذي تخلف عنا لسبب فاجأ الجميع،فقد دخل السجن مع مجموعة كبيرة كانت لهم معه علاقة سطحية، كما كنا نظن.شعرت بقطعة من جسدي تنتزع مني، انتظرت خروجه لأيام، كانت توقعاتي خاطئة، اختفى ويستحيل أن يعلم أحد. بمكان وجوده، بدأت ذاكرتي تسترجع خطاباته الحماسية المسبوكة بسخرية مريرة وأحاديثه النزقة عن الأحزاب التي تنشق على بعضها وتتمتع بطباع القطط، وتحاول إخفاء فضلاتها بالأتربة دائماً، وما رسخ اعتقادي بعلاقته الأكيدة مع هذه المسائل نوبة الغضب الأخيرة التي انتابته، عندما شق ثيابه وتعرى. ولولانا لشق جسده بمشرط حاد كان يحمله في يده وهو يصرخ: -انشقاق..انشقاق.انشقاق..سأشق جسدي وأستريح من هذه الانشقاقات. وبقي يهذي بسخط: -أحزاب تولد مثل الأرانب يارجل،العشائر باتت أكبر منها. حرر نفسه من أيادينا بعد أن أخذنا المشرط منه فبدأ يركض عارياً يحمل حفنة من تراب بين خطوة  وأخرى ويذورها للريح، صائحاً : غبار، خمسون عاماً ، ألف عام من الغبار، أحزاب الغبار.

نجد معالم النقمة والصراخ ، تبديها سمات وملامح دينو وكذلك نبرته التي احتوت الحماسة، السخرية والحنق الشديد، حوّلته لشخص آخر، حيث بدأ بالجنون الفعلي ، إزاء حالات مزرية تتوالى، وتحول دون الوصول لنتيجة إيجايبة، فبزدياد الأحزاب وكثرة الانشقاقات، تسير عجلة المجتمع إلى الفوضى والتقهقر الذي يسهب الكاتب في الحديث عنه، حين انتقال سليمان إلى المدينة للدراسة، فخروج الأفراد أو المجموعات داخل حزب معين وتشكيل حزب آخر، أربك من فعالية الثقة والانجاز، حيث جعلت الفئات النزيهة تلجأ إلى الاعتزال السياسي، الذي يسهم في طبيعة الحال إلى نشوب حالة أشبه بالجنون والزهد، الجنون الذي أصاب دينو وجعله هائماً ومعتقلاً إلى أن بات مختفياً مع مجموعة كبيرة من رفاقه ، لا أحد يعلم عنه وعن رفاقه شيئاً، وبين سلوك الزهد أو الاغتراب الذي تجسد في شخصية سليمان وحبه لبلقيس، وكذلك محاولته لتناسي حالة الحب الجميلة والطبيعية التي مر بها، والتي تكللت في النهاية بمزيد من الألم والشقاء، والدخول في متاهة الشهوات، والغزائز المبتذلة ، هنا يربط الكاتب حليم يوسف بين الفساد السياسي والاجتماعي، وأدوار الشباب في ظل فساد وتحلل المؤسستين السياسية والاجتماعية، فالتنافس البغيض بين الأحزاب والهرولة إلى سباق الانقسام والتشظي ، أدى بالنتيجة إلى ظهور الإعياء والوهن الاجتماعي الذي طفا جلياً في ملامح الفئات الشابة المستنيرة والتي يقع على عاتقها، القيام بعملية البناء والتحول الديمقراطي، فبروز الصراع الداخلي خنقت في الفئة الشابة أسمى مواهبها، في إدارة مناحي الحياة، فبرزت معالم الاغتراب بقوة ، وجرى الانقسام في بنى المجتمع وترهل فئاته وشرائحة الشابة نحو كواليس الانزواء والتحلل والضياع، حيث الاغتراب الفردي، ومرد تلك الانشقاقات هي تقليدية الفكر، وجفاف الروح الابداعية، وتسلط المتنفذين والانتهازيين وتوغلهم في كل تنظيم، يحاول القيام بأداء المهام الموكلة على عاتقها، هذا ما جعلها في النهاية، أسيرة الفوضى والتبعية، وجعلت الشباب من أبرز ضحايا الانقسام الدائم،ناهيك عن الديكتاتورية والتفرد في الحكم، أي الزعاماتية في منطق المجتمع الأبوي الذي تجلى في بنية الحزب الشمولي، وغياب أدوار الشباب المعرفي في التغيير والعمل عليه، كل ذلك قاد المجتمع إلى الفوضى، وانسداد آفاق الحل ، إزاء عجز النظم الشمولية، عن تقديم الحلول والبدائل العملية ، فالأنشطة السياسية، باتت مشاريعاً ربحية ، تصب في خدمة الفئة الخفية المتحكمة في بنية وقرارات الحزب، وغياب الديمقراطية الجوهرية، جعل فئات الجماهير تسير دون وعي بحقيقة مسعاها، ومبتغاها الأصلي، غير دارية بحقيقة الفئات التي تقودها، حيث يتناول الكاتب حليم يوسف، سلوك الشخصيات، ومآلات الحدث، على نمط يشير إلى علاقة الأفراد، بعضهم ببعض من ناحية التنظيم ، حيث تتجلى الفوقية والاتكالية، وبروز الأنانية والتجهيل الكلي ، والتجاهل لرغبات الشباب وهممهم، وعدم احتواءهم لطاقات الشباب ، أو مراعاة طموحاتهم وأفكارهم الجديدة في التغيير والبناء، إلى جانب تفكك الأصدقاء وكذلك الأسر نتيجة طغيان الجهل والفقر، إلى جانب التنقل بحكم الظروف، فمن آخر يغيبه الأمن إلى آخرين يعيشون حالة الاغتراب التي عمت في النفس وتأصلت في ظل انعدام الحرية، والاختيار، حيث تعالج الرواية النقدية ، المجتمع متفردة في الحديث عن علله وعيوبه وأثر منظومة العادات والتقاليد المقتبسة عن الأديان، على الفكر السياسي والتنظيمي، وكذلك فإن ابتعاد الفرد عن طبيعته ، ونكران رغباته، هو مواكب في الآن ذاته إلى سعي التنظيمات الشمولية لتفريغ محتوى وطاقات أفرادها من أي إرادة في الاختيار أو النقد الحقيقي، وكذاك ابتعاد التنظيم عن غاياته التي جاء من أجلها، هذا ما أراد حليم يوسف قوله في معرض تطرقه للانشقاق المرادف لسحق الحب الذي في قلب سليمان، السارد والرواي لكل هذه الحوادث على نحو مكثف، يدخلنا إلى متاهة مركبة مبنية على النقمة والنفور، من مظاهر الخيبة والمعاناة في الميدانين الاجتماعي والسياسي ، المتأثر بالجهل والفقر، فالعالم التراجيدي الذي بناه الكاتب في تناوله لمجتمع سوبارتو، لم يكن وليد التخييل الفني فحسب، وإنما هو إبراز للذات المنتهكة من كل النواحي، والتشاؤم الذي أسبغ على الفضاء التمثيلي بزمانه ومكانه، وشخوصه ، أعطى للغة الفنية جودة تخييلية وإبداعية في الكشف عن أوكار الوهم والخرافة المتفشية في المجتمع الذي بات أسير فوضاه التربوية والسياسية، سيان أن تنقلت بين هدوء الأرياف وحاضرة المدن.. إذ هذه العوالم الملونة، المختلفة بين الحديث عن هموم الأرض، الأحزاب، التقاليد، المرأة، انعكاساً لنتائج الإبادة الثقافية والتشويه الذي فرض على أهالي سوبارتو وشبابها، وكذلك إفساح ذات القدر الكافي للحديث عن طباع البشر فيما يخص مفهومي الملكية والتنازع القديم الجدي

انثيالات الرُّؤى وتجلِّيات التَّنوُّع عبر محيطٍ نثريٍّ شعريٍّ فيّ ديِوان" عابر الى القٌدس" للشاعر الكبير محمد خالد النباليظ جوتيار تمر/ كوردستان

الجمعة, 18 آب/أغسطس 2017 00:00 تم النشر من قبل

في ديوان "عابر الى القدس" بعيداً عن الجدل حول ماهيَّة النَّثر الشِّعري ومقارنته بالشِّعر المنثور، إنّنا هنا أمام جدليّة أخرى استطاعت أن تمزج حقولاً منوّعةً من موجبات التّأمل الأدبي، سواء من حيث الأداء اللّغوي أو خلق الصّور أو فتح الأبواب أمام الإيقاعات الدّاخلية الشّعرية وفتح الآفاق والحقول أمام الرُّؤى ضمن تشكيلات بلاغيّة اعتمدت القوّة البيانيّة أحياناً والسّرد المحقّق للغاية أحياناً أخرى والتّكرار كنهجٍ وآليةٍ توكيديّة في محطّات وتداخلاتٍ أُخرى،وهذا ما يحقّق للدّيوان هدفه المنشود باعتباره أنه استطاع أن يجعل النَّثر يقول ما يقوله الشِّعر الحقيقي، وحرَّر النَّثر من نثريَّته، ممّا أوحى بإيلاء أهميّة للّغة لفظاً وتركيباً، وهذا ما يفسّر سيادة الخبر أحيانًا في النّصوص، والإحالة على العالم الخارجي والتّغاضي عن جمالية اللّغة الى جمالية الفكر حيث يطغى المدلول على الدّال في أحيــان أخرى، فقد برزت في الديوان التدفّقات الوجدانية وهيمنة الصّوت الباطن والمناجاة الغنائيّة المسترسلة والصّور الكليّة وشاعريّة الرُّؤى والتّرميز والتّكرارات والتّوازيات والتّكثيف، ممّا جعلنا نعيش الرؤُّى وفق تداعياتها ومعطياتها ومنطقها المخصوص في أحيان كثيرة، فبدءًا من العنــــــوان

( عابر إلى القدس) الّذي وجدته يحمل سمة الوظيفة الأنطولوجية حيث يقول د. خالد حسين عن هكذا عناوين بأنّها تهب النّصوص هويتّها ومكانها في الوجود، وتخرجها من العماء الى التميُّز والاختلاف، وتمثل دور التّعيين للنّصوص في الكينونة، وقد استطاع الشاعر من خلال توظيفه الأنطولوجي للعنوان أن يفتح أمام المتلقِّي تلك الآفاق التي يريدها كي يبحث عن الموصوفات والتّحديدات والتّراكيب الّتي ترسم ملامح هذا العابر.

ارتكزت معالم الدّيوان على معايير تعلِّل السَّببيَّة الَّتي جعلت الشَّاعر ينقاد إلى مثل هذه التّجربة باعبتارها تجربة خضعت لتنوّعات تجنيسيّة أدبيّة مالت في أغلبها إلى النَّثر الشِّعري مع انفلاتات أعطت سمة التّنوّع للدّيوان، فالشّاعر خلال توظيفاته الدّلالية استطاع أن يؤثِّث عوالمه عبر جملة مكوِّنات منها اللّغة المكثّفة كما في نص ( عابر إلى القدس)..

 مَـا ذَنـْبـُـهُ الـقُـدْسُ الـعَـتِـيـقْ

حِـينَمَـا أَضْحَـى غَـرِيـبَـاً

مِـثْـلَ طِـفْـلٍ فِـي ظَـلاَمِ اللَّـيْـلِ

يـَبْـكِـي يـُتْـمَـهُ فَـوْقَ الطَّـرِيـقْ

وفي نصوص اخرى كنص رأيت وما انتيهت..

رَاهَـنْـتُ أَنـِّي لَـسْـتُ أُهْـزَمُ

لَـسْـتُ أَخْـسَـرْ

أَنـَا مَـا خَـسِـرْتُ وَإِنـَّمَـا أَنـَا

لَـسْـتُ أُنـْصَـرْ

واللّغة السّردية الّتي حاول الشّاعر من خلالها توظيف رؤًى عبر سلسلة حكائيّة بلاغيّة متداخلة كي يستقطب من خلالها الزّمنية ليوظفها في الآنيّة الواقعيّة، كما في نص دنيا لاتعرف النّبلاء .." فِـي هَـذِهِ الـدُّنـْيَـا حِـكَـايـَاتٌ غَـرِيـبَـةْ .." ونص في ذات يوم " فِـي ذَاتِ يـَوْم حِـينَـمَـا سَـافَـرْتُ مِـنْ قَـوْمٍ لِـقَـوْم.. " فقد غاب هنا عنصر الانكسار البلاغي وبرز عنصر الرويّ الميم الّذي أغنى النّص بالإيقاع، وهذا ما لمسته في نصوص أخرى عديدة ، حيث السّرد البلاغي مهيمن ومثير في الوقت نفسه للصّور المتداخلة عبر الملامح الزّمنية. ومن ضمن ما اعتمده الشّاعر في مكوّنات ديوانه الإيقاع الّذي يدخل ضمن ما يميز النّثر الشّعري وهذا الإيقاع تفاوت في تشكيلاته وتناغمه بين ما يوحي بوزن وقافية وأخرى داخليّة متّقدة ..

وَأَنـَا بـِقَـلْـبِ اللَّـيْـلِ أَمْـشِـي

حَـائِـرَاً مَـا بـَينَ أَيـَّامِـي وَأَمْـسِـي

لاَ أَرْضَ لَـكْ ...؛لاَ أُمَّ لَـكْ

لاَ حَـقَّ لَـكْ

أَنـْتَ تـَارِيـخٌ هَـلَـكْ

إيقاع وزني متشكّل في نص عابر القدس وأطفال الملاجئ، وآخر داخلي متّقد كما في نص رأيت وما انتيهت ..

سَـكِـرْتُ  وَقَــدْ أَفَـقْـتُ

رَأَيـْتُ  وَمَـا انـْتَـهَـيْـتُ

وعلى هذه الشّاكلة تبرز في نصوص أُخرى الإيقاعات المنوّعة الّتي تتداخل في مضامينها معبّرة عن تلك التّدفُّقات الشُّعوريَّة المتَّقدة جوانيّا، داخليّا عند ذات الشّاعر وتتجسَّد إيقاعياً وتبرز كرؤًى مفجِّرة للكينونة البلاغية الدّلاليّة.. ويضاف إليها تلك الحقول الّتي تعبّر عن الملامح الفكريّة الّتي يتبّناها الشّاعر في نصوصه كي يضع المتلقّي في دائرة الحدث النّصي لا كشاهد وقارئ فقط، وهذه الحقول نجدها موزّعة بشكل تناسبيٍّ في نصوص الدّيوان ونختار ما رسمه الشّاعر في نص عرب في اتّجاه الرّيح ضمن ماهيّة هذه الحقول..

كُـلُّ الـعَـوَاصِـمِ فِـي بـِلاَدِي تـَجْـهَـلُالحُـرِيـَّةَ العَـصْمَـاءَ

تـُـتْـقِـنُ كَـيْـفَ (الصَّمْتُ يُباع)

هَـذِهِ الـبُـلْـدَانُ

 تساوي مَـا بـُعَـيْـدَ صِـفْـرٍ فِـي حِـسَـابِ الـقَـوْم

يـَا بـِلاَدِي لَـيْـسَ يـَنْـفَـع أَيُّ لَـوْم

وفي نص ماضِ في طريق الخوف " فِـي طَـرِيـقِ الخَـوْفِ تـَجْـرِبـَةٌ مَـرِيـرَةْ .." وأيضا في نص دورة حياة " كُـلُّ شَـيْءٍ فِـي بـِلاَدِ الـنَّـاسِ يـَأْتـِي كَـالـبِضَـاعَـةْ .."، فهذه الحقول لاتفتح أمام المتلقّي المساحات التخيّليّة فحسب إنّما تستفزُّ ذهنيَّته كي يواكبها عبر التداخلات الزّمكانية الّتي بدورها تُؤثِّث عوالمه الذّاتية لتتشابك مع عوالم الشّاعر، وهي بالتالي تفتح آفاقاً أخرى أمام المتلقِّي، والشّاعر نفسه يستغلّ تلك الحقول كي يحقق بالتقاطاته الصُّوريّة والبلاغيّة آفاقاً أوسع وهذا ما يتجلّى في نصوص عديدة حيث الآفاق تتَّسع باتّساع رقعة وجغرافية الرؤيا لدى الشّاعر ..

لأَنـَّـنَـا بـِالشِّـعْـرِ نـَشْـعُـرُ أَنـَّـنَـا فُـرْسَـانُ حَـقْ

كُـلُّ ذَلِـكَ حِـيـلَـةٌ

وَالحَـقِـيـقَـةُ أَنـَّـنَـا مِـن دُونِ تـَفْـرِقَـةٍ

محضُ رِقْ

 فهذا التَّجليّ الأُفقي يتّقد في نص عرب باتجاه الرّيح حيث يخرج الشّاعر من كينونة العنونة نفسها إلى آفاق تعدُّديّة الدّلالة لاسيما من حيث استغلال الرّقعة البلاغية فيما يتعلق بالشِّعر والانتمائيَّة الغريزيّة للماضي البياني البلاغي ومن ثمّ إلى الواقعية التي تبرز بانه لم يتبقى لهذه الانتمائية سوى التّفرقة.. والعبوديّة (الرّق)، ومثل هذه الرؤى المتنامية تكثر في نصوص الشّاعر لتفتح أمام المتلقِّي ممرَّات منها يَلِج إلى آفاق أبعد يتمخّض عنها ماهيّة وجوده وماهيّة ماحوله..وممّا ساعد الشّاعر على بلوغ مراده هو امتلاكه لتلك الرُّؤى الشِّعرية الَّتي تمنحه مع الانضباط الفكري الانتمائي الجرأة في الطَّرح وكسر القيود كما في نصوص وأطفال الملاجئ..

أَنـْتَ لُـعْـبَـةُ قَـادَةِ العُـرْبِ الأَشَـاوِسْ

مَـا عَـادَ فِـي أَرْضِ العَـرُوبـَةِ مِـنْ فَـوَارِسْ

 فالخروج عن المألوف والسائد لايتمُّ إلا من خلال الطّرح الجريء المنفتح على الواقع بجدليّة القائم والممكن والمتضادّ معهما، وهذا ما حقَّقه الشَّاعر أيضا في ديوانه حيث استطاع من قيادة ثورته البلاغيّة على ذاته اولاً وعلى انتمائه..ومستغلاً في الوقت نفسه تلك المساحات الخبرية المتاحة والصُّور الرّامزة الّتي تحيل المتلقي إلى استنطاق ما في اللّاوعي ليكتسب الوعي صورته الثورويّة ففي نص عابر القدس يعطينا الشّاعر عبر المنتج الخبري البلاغي " صَـلَـبَ الـيَـهُـودُ مَـسِيـحَـنَـا .." وفي نص فلسفة المحارب " الحَـرْبُ خُـدْعَـةْ الحَـرْبُ بـِدْعَـةْ.." لمحة خبرية متاحة لكنّها تجسّد في مضمونها حقائق عالقة في اللّاوعي وتبرهنها الوقائع الحدثية الآنية ، بصور متعددة تتجسّد في خبريات مشابهة مضموناً وأسباباً وأهدافاً، وذلك ما يحفز المتلقّي على التّلاحم مع الحدثيّة ولربّما تتّقد في دواخله محفّزات على النّهوض والتحرُّك.. وبهذا الأسلوب المتنامي تتنوع المكوّنات النثريّة الشّعرية في الدِّيوان لتصل بنا الى دائرة التّكرار الّتي اعتمدها في نصوصه، سواء من حيث التّكرار التدويري للرّؤيا او اللّفظي، فمن خلال تدوير فكرة القدس والتّخاذل الحاصل تجاهها نجد ماهيّة التّكرار التّدويري، أما التّكرار اللّفظي فهذا ما يبرز في نصوص أخرى نلامس فيها غرضيّة توكيديّة للرّؤيا كما في نص دنيا لاتعرف النّبلاء..

فِـي هَـذِهِ الـدُّنـْيَـا حِـكَـايـَاتٌ غَـرِيـبَـةْ

فِـي هَـذِهِ الـدُّنـْيَـا نـَرَى الأَحْـلاَمَ

وَالآمَـالَ وَالـبَـسَمَـاتِ

وفي نص شهيد ساخن الدّم .. ونص رأيت ذات يوم و نص أنا ونص فارس على سرير الموت حيث نلاحظ فيها تجسدات تُنمِّي بتكرار اللّفظ الرّؤيا وتعمل على تأكيدها عبر تلازميات منوّعة لصوريّة مختلفة.

                                               18/11/2015

                                                      

رواية " أفواه وأرانب " والمعالجة بمنظور ماركسي!؟- عبدالجبارنوري*

الأربعاء, 16 آب/أغسطس 2017 00:00 تم النشر من قبل

المدخل/ أفواه وأرانب رواية للكاتب المصري " سمير عبدالعظيم " 1977 على أرض مصر ، تعالج الرواية قصة الفقر والغنى وعدم التخطيط الأسري ، ربما يوحي عنوان الرواية " افواه وأرانب " بتصديه لمناقشة قضية خطيرة هي الأنفجار السكاني الذي يفرّخ الكثير من الأفواه التي تعاني مرارة الجوع نتيجة السلوك الأنجابي المشابه لسلوك الأرانب في خصوبة النسل ويؤدي هذا التزايد في معدلات المواليد إلى ألتهام كل زيادة في الأنتاج ويزداد الفقر والجوع ، وحياة بائسة فقرة لا تعرف الأستقرار والأمان ، ، وعندههم تعيش أكوام من اللحم الحي المضمحل والآيل إلى السكوت الأبدي ، برسوم أطفال عراة جياع مرضى مهملين ضائعين ، وتدور الرواية حول أسرة مصرية تعيش فيها بطلة القصة " نعمت " مع شقيقتها الكبرى وزوجها عبدالمجيد وأولادهم التسعة ، وعبد المجيد شخص سكير لا أبالي مستلب الأرادة والمباديء ، يشتغل في السكك الحديد بمرتب ضئيل يكاد لا يكفي أعالة أربعة أرانب من التسعة ، وللخلاص من هذا الوضع المزري يجد عبدالحميد حلاً متهافتأ ربما بليدا فيه شيء من الحماقة والأنانية المفرطة هو تزويج نعمت الشابة اليافعة والرقيقة من " طنطاوي " أحد حيتان السوق السوداء والتهريب وعلى ذمتهِ ثلاثة نساء أخر ، لذا دفعت بنعمت أن تختار الهروب من هذا الفخ القاتل إ لى المنصورة وتشتغل  في عمالة مزارع شاب ثري أسمهُ ( محمود بيه )  ، توسّم فيها الذكاء والفطنة والأخلاص والمهارات في العمل وترتيب حياته الصاخبة وأعجب بها وأحبها وثم يتزوجها ويعيل عائلة شقيقتها .

المتن/ وهنا يبدو المؤلف سميرعبدالعظيم  ضائعاً هو الآخر مشتتاً يتساءل هل هذه المعاناة جراء كثرة الأنجاب ؟ أم من رب الأسرة عديم الشعور بالمسؤولية مدمن على الخمرة سكير عاطل ؟ أم من غياب حكومات تعمل على أرضاء الحاكم بأمر الله ؟ أم من مزج هذه الأسباب جميعها معاً ؟! وربما هو الصحيح ، ويبدو على المؤلف أنهُ يبشر بحلول سحرية وهمية لمشاكل عميقة معقدة يفسدها التناول السطحي التجاري ، ويتوقف حيناً ربما يلتقط أنفاسهُ ليصل بالقاريء للخاتمة بنقلة نوعية سحرية من عالم التراجيديا  الملهاة الحزينة والمبكية إلى النهاية الرومانسية في أيجاد الفردوس المنشود في زواج نعمت من الشاب ( محمود بيه ) البورجوازي وتكفله بمساعدة العائلة مادياً ومعنويا ً ، ويتوقف " سمير عبدالعظيم " ويعجزعن اللجوء إلى الحل الشمولي الجذري ليس فقط لهذه الأسرة المنتخبة لأشغال فصول الرواية بل للشعب المصري الذي كان بتعداد أكثر من ثمانين مليون نسمة بفارق طبقي مرعب ، بل يكتفي باللجوء إلى الحل التوفيقي المؤقت .

ملاحظات نقدية تحليلية في تجليات أفكار المؤلف (العلاجية) للرواية :

-يطرح المؤلف حلاً غريبا هو أن معاناة الفقر من مسؤولية الأسرة لأنجابها الغير محسوب ، وكأنهُ يقترب من نظرية مالثوس عراب النموذج الأقتصادي الرأسمالي من حيث يدري أم لا يدري حيث قادتهُ إلى نتائج مغلوطة .

- ومن هنات ما في الرواية أنهُ يرسّخ مجموعة من القيم والأفكار التي تناقض واقع الحياة التي يريد أن يعبر عنها وهي :

1-أختيار الأسرة الفقيرة والتي جعلها جزيرة مغلقة منذ  البدأ ، ولم يوضح للقاريء والمتلقي واقع أسر مصرية أخرى ليس فيها سكير  أو متكاسلون ، وهم يفتقدون سقفاً يحميهم من غضب الطبيعة ويسكنون ( الترب ) أي المقابر .

2- التأكيد على نجاح الحلول الفردية غير المنطقية ، كصعود تسلق نعمت الطبقة البورجوازية بسرعة وسهولة عجيبة .

3- ثم العمال الزراعيون عند المزارع الشاب كيف تمكن من تخديرهم ليعلنوا الرضا والقبول بواقعهم كنخبة مستغٌلة ومستلبة والعجيب لا أحد يعترض أو يطالب بتحسين ظروف العمل وهو شيء لا ينطبق على التسعينات بل على القرون الوسطى حيث الأقطاع ونظام القن .

4- وثمة نقطة نظام في آراء المؤلف في الرواية هي { أن مشكلة الفقر هي مشكلة صنعتها طبقة الفقراء بتكاسلهم وسلبيتهم }

الخاتمة /  أن الثورة أفراز لواقع أجتماعي ، وهناك من يحصر أسباب الثورة في العوامل الأقتصادية ومن أبرز المنادين بهذا الأتجاه : سان سيمون وكارل ماركس وجميع اليساريين ، ويرى ماركس الثورة هي رحلة طبيعية وحتمية في حياة المجتمعات ، ويؤكد على علاقات (الأنتاج والتوزيع ) ، في نفس الأتجاه نرى ( لينين ) يؤكد على عامل التخلف هو عامل حاسم في التغيير ، وبالتالي تصبح الثورة حتمية ، حيث أن القهر والسخط والفقر والجوع والبؤس والمعاناة يمكن أن تخلق جواً ثورياً ، وهنا يضيف ماركس أن هذه المعاناة لا تكفي للثورة أن لم تتوفر القناعة والأرادة النفسية في تحقيق تغيير الواقع المر والمزري .

وعلى هذا الواقع المنظور في نضوج مقومات التغيير لدى الشعب المصري المليوني ، وبوضوح الفارق الطبقي المرعب ، كان من المفروض على المؤلف أن يستوعب نظرية ( مالثوس ) العدوانية في زيادة السكان بنسب تفوق نسبة الموارد الغذائية ويدعو إلى ما سماها ( الموانع الوقائية ) يقصد بها تأخر الزواج وضبط الشهوة الجنسية وأشعال حرائق الحروب لتأكل الزيادة السكانية ، وكان ماركس قد دعا في كتابه رأس المال بالمتوالية الحسابية بالباطلة حيث يعتقد : أن النظام الأقتصادي السائد في المجتمع هو الذي يتحكم في عدد السكان وليست الخواص الثابتة في الطبيعة .

وكذلك نذكر المؤلف تطور وسائل علمية حديثة لمضاعفة أنتاج الغلّة الزراعية ، والتقدم التكنلوجي باللعب في هندسة الجينات مما أدى إلى زيادة الأنتاج ووفرة السلة الغذائية ، أذاً تكون المبالغة بخطورة النمو السكاني وما يرافقه من فقر وجوع وفاقة مع أغفال دور التقدم العلمي والتقني والذي يوضح مساويء النظام الرأس مالي النفعي التجاري الذي يندفع إلى رمي الزيادة الأنتاجية في البحر كي يحقق التوازن في العرض والطلب ويهمل الجانب الأنساني ، بأعتقادي يكون حبل النجاة للأنفجار السكاني هو نهج الأشتراكية العلمية ولا غيرها مما أسموها بالأشتراكية الحميدة أو الرشيدة .

مصادر البحث/ * تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية 1992 ص 314 * كارل ماركس – كتاب رأس المال * محمد سيد غلاب – أقتباسات ديموغرافية وجغرافية – القاهره 1978 ص 175

*كاتب وباحث عراقي مغترب

رسالة أخبارية

قم بأضافة بريدك الالكتروني كي نرسل لك الاخبار و المواضيع حال نشرها

443 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع