أدبية و ثقافية

أدبية و ثقافية (61)

Latest News

فارقات المشهد الأدبي الراهن في روسيا - جودت هوشيار

الأحد, 23 تموز/يوليو 2017 00:00 تم النشر من قبل
كانت الدعاية السوفيتية لا تمل من تكرار مقولة مفادها ، ان الشعب السوفيتي يتصدّر قائمة الشعوب القارئة في العالم ، في حين إننا نعلم  أن معدل القراءة في الولايات المتحدة الأميركية وانجلترا وفرنسا واسبانيا وألمانيا وايطاليا كان أعلى من الإتحاد السوفيتي قبل انهياره و من روسيا حالياً . ولكن يمكن القول ان الشعب الروسي – وليس السوفيتي - كان اكثر الشعوب القارئة للأدب الجاد وإهتماماً بالثقافة العالية والفنون الجميلة . وربما كانت ندرة أدب التسلية والخيارات الترفيهية الأخرى أحد أسباب هذا الأهتمام  ، ولكن ليس السبب الرئيسي بأي حال من الأحوال
كان الأدب الرفيع دائماً أحد أهم روافد تكوين الشخصية الروسية ، والأدباء العمالقة من شعراء وكتّاب كانوا معلمي الشعب ، ويلعبون دوراً كبيراً في تشكيل القيم الروحية والفنية والجمالية للجمهور القاريء . وهذا الدور هو الذي دفع الشاعر يفغيني يفتوشينكو الى القول ان" الشاعر في روسيا أكثر من شاعر ". و هوعنوانقصيدة شهيرة  له ذهب مثلاً يتناقله الأدباء والمثقفون الروس كثيراً . ويمكن القول أن الكاتب في روسيا كان أيضاً أكثر من كاتب .
لقد اتيح لي أن أعايش ذلك عن قرب عندما كنت طالباً في موسكو في الستينات من القرن الماضي . كانت قيمة أي شخص تقاس الى حد كبير وخاصة عند الجنس اللطيف بمدى عمق ثقافته العامة واطلاعه على روائع الآداب والفنون الروسية والأجنبية ، وكان من الصعب نيل اعجاب أي فتاة أو سيدة اذا لم يكن  المرء مطلعا على النماذج الرفيعة للآداب والفنون . وتحضرني في هذا السيلق طرفة حقيقية بطلها زميل عراقي كان يواصل دراسته في موسكو . فقد سمع هذا الزميل أن أفضل طريقة لكسب اعجاب الفتيات الروسيات هي ان تحدثهن عن انهماكك في قراءة الروائع الأدبية ومناقشة مضامينها معهن . تفاخر زميلنا امام صديقته الجديدة  بأنه يعكف الآن على قراءة رواية " آنّا كارينينا " لليف تولستوي . والمعروف أن الكاتب العظيم استهل هذه الرواية  بالفقرة الشهيرة التالية: “كل الأسر السعيدة تتشابه، ولكن كل أسرة شقية فريدة في شقائها " وبطبيعة الحال فإن الفتاة كانت قد قرأت هذه الرواية الرائعة ، ربما أكثر من مرة ، لأنها ( الرواية ) كانت ضمن مادة " الأدب " في المرحلة الثانوية . قالت الفتاة على أمل أن تعرف انطباع الطالب الأجنبي عن رائعة تولستوي:
كل الأسر السعيدة تتشابه، ولكن كل أسرة شقية فريدة في شقائها"
قال الطالب العراقي :
- لم أصل بعد الى هذه الصفحة!
نظرت الفتاة اليه في دهشة وارتياب وتركته الى غير رجعة .
وقد اتسع نطاق الأهتمام بالأدب الجاد في الحقبة السوفيتية ليشمل الملايين من العمال والفلاحين الذين تعلموا القراءة والكتابة بعد فرض التعليم الألزامي .
ولكن النظام الشمولي كان يقمع المبادرات الشخصية وكان الادب عموما والمحظور منه خصوصاً بديلاً عن المعارضة السياسية الى حد كبير،  و يشكل عالما موازياً من الخيال أكثر رحابة، يستمتع القاري بالتجوال فيه و نسيان ما يعانيه من ضغوط نفسية وقمع للحريات الشخصية . و كان كل شخص شغوف بالقراءة  يتابع الأصدارات الثقافية الجديدة ، ويحاول بشتى السبل الحصول على نسخة من أي كتاب قيّم روسي أو أجنبي محظور ، ويلجأ أحياناً الى شراء الكتاب من السوق السوداء بأضعاف ثمنه الرسمي . فعلى سبيل المثال كانت نتاجات " فرانز كافكا " محظورة تماماً وغائبة عن الساحة الثقافية الروسية حتى سنة 1965 حين صدر مجلد يضم مختارات من رواياته وقصصه القصيرة المترجمة الى اللغة الروسية . وقد شاع خبر صدور الكتاب في موسكو بسرعة البرق . وفي اليوم المقرر لعرض الكتاب للبيع ،اصطف منذ الصباح الباكر طابور طويل من الراغبين في اقتناء نسخة منه امام كل متجر للكتب في موسكو . كان سعر الكتاب حوالي روبلين ، وقد نفد عشرات الألوف من النسخ خلال بضع ساعات .ومن حسن الحظ أنني استطعت الحصول على نسخة منه بسهولة وان كان بثمن باهظ . كنت أعرف فتاة تعمل بائعة في " بيت الكتب " وهو اسم  أهم وأكبر متجر للكتب في وسط موسكو ، وكانت هي وسيلتي الرئيسية للحصول على الكتب الجديدة لأهم الكتاب والشعراء الروس والأجانب . قالت الفتاة أنها تستطيع الحصول على نسخة من كتاب كافكا بعشرين روبلاً ، اذا كنتُ راغباً في ذلك . دفعت الروبلات العشرين وأنا سعيد وممتن للفتاة ، واليوم كلما ممدت يدي الى هذا المجلد في مكتبتي الشخصية تذكرت على الفور (صديقتي) الجميلة بائعة الكتب في قلب موسكو.
الرقابة الأيديولوجية والتحدي للمحظور
الرقابة الأيديولوجية المتزمتة على المطبوعات كانت – ويا للمفارقة – تشكل الذائقة الأدبية لملايين القراء في روسيا ، و تقدم خدمة مجانية لمؤلف أي كتاب  تقوم بمنعه من النشر . فيلجأ صاحبه الى نشره في احدى الدول الغربية ، مما يؤدي الى حظر تداوله في روسيا وتوبيخ الكاتب ، وربما زجه في أحد المصحات العقلية أو النفسية أو طرده من البلاد ، وإسقاط الجنسية السوفيتية عنه . وفي الوقت نفسه كان هذا الحظر أفضل دعاية مجانية لكتابه. كانت النسخ المتسربة من الكتاب الى داخل البلاد  تعاد طباعته على الآلات الكاتبة اليدوية أو تستنسخ سراً بوسائل بدائية حسب تقنيات الأستنساخ في تلك الفترة ،كنوع من التحدي للمحظور ، وتنتشر انتشار النار في الهشيم . لأن القراء كانوا يعتقدون أن الكتاب المحظور لا بد أن يكون جيدا أو مثيرا في الأقل . وكانت النسخة الواحدة تنتقل من يد الى يد بين عشاق القراءة حتى تبلى تماما .
الأدب والصدمات الأقتصادية
في زمن التحولات السياسية العاصفة ، والفترات الإنتقالية المضطربة تتوحش المجتمعات ، وينعكس ذلك بشكل كارثي على حال الثقافة والأدب ومدى الأقبال على القراءة ، حيث يعزف الناس – ما عدا قلة من المحترفين - عن قراءة الأعمال الأدبية ، ويصبح الأمن والخبز الشغل الشاغل للغالبية العظمى منهم وليس شراء وقراءة الكتب . وهذه حقيقة صارخة تتجلى بأوضح صورها في كل بلد تعرّض الى تغيرات دراماتيكية في انتقال السلطة أو أزمات اقتصادية خانقة ، وروسيا ليست استثناءاً من هذه القاعدة.
بعد تفكك الإتحاد السوفيتي شهدت روسيا في مطلع التسعينات العصيبة  ضائقة اقتصادية خانقة  ، وانخفاضاً في مستوى معيشة عموم المواطنين ، ما عدا فئة قليلة من الأثرياء الجدد ، الذين تفننوا في الأستيلاء على ثروات البلاد وممتلكات الدولة بأسم الخصخصة . كان هذا في عهد يلتسن، الذي شهد تجربة العديد من الصدمات الأقتصادية الفاشلة، والإتجاه نحو اقتصاد السوق ، وفي الوقت نفسه كان زمن اطلاق حرية التعبير الى حد كبير ، وإلغاء الرقابة الأيديولوجية على المطبوعات  ، وإلغاء دور النشر الحكومية  ، وتأسيس دور نشر خاصة ، وقد تحولت هذه الدور بمضي الزمن الى مؤسسات لا يقتصر عملها على نشر الكتب وتوزيعها فقط ، بل الترويج على نطاق واسع لمنشوراتها عبر وسائل الأعلام ، والأنشطة ( الثقافية ) .
الأسعار المرتفعة لأصدارات تلك الدور في ظروف الأزمة الإقتصادية أدى الى تدني معدل القراءة . وتشير الأستبيانات الحديثة الى أن 40% من الروس لا يقرؤون الكتب قط، و50% منهم لا يشترونها ، و 34% منهم ليس في بيوتهم ولو كتاب واحد ، و80% من المواطنين لا يقرؤون الصحف والمجلات الورقية . ويفضل الجيل الجديد القراءة الخفيفة والسريعة على صفحات مواقع التواصل الأجتماعي . وفي كل عام يتقلص عدد متاجر الكتب في موسكو والمدن الأخرى وما تبقى منها تقوم ببيع اللوحات الفنية والهدايا والقرطاسية الى جانب الكتب ، التي ما زالت تشغل مساحة كبيرة فيها بطبيعة الحال ، وأحياناً نجد أن جزءا من المتجر قد تحول الى مقهى مزود بخدمات ( الواي فاي ) .
الأدب الأستهلاكي
عندما يزور المرء اليوم متاجر الكتب الرئيسية في موسكو سيرى صفوفا طويلة منتظمة من الكتب الجديدة على الرفوف ، مما يوحي – لأول وهلة - بغزارة الأنتاج الفكري والأدبي ، وخاصة الروايات - ذات ألأغلفة الملونة اللامعة ، والعناوين الجذابة - التي تحمل صور حسناوات في اوضاع مثيرة ، و مصاصي دماء ، ورجال عصابات يطلقون النار . أغلفة وعناوين لا تعكس في أغلب الأحيان مضامين تلك الروايات الرديئة، التي لا علاقة لها بالأدب الحقيقي بأي شكل من الأشكال. فهي تضم بين دفاتها قصصاً ملفقة عن ( بطولات ) عصابات الجريمة المنظمة ، أو مغامرات بوليسية أو جاسوسية أو حكايات ايروتيكية عن مغامرات نسائية في المنتجعات الصيفية . كتابات تهدف الى إثارة الفضول والدهشة بلغة سوقية متدنية.  ،وتتضمن الكثير منها وصفاً لشتى أنواع العنف والشذوذ الجنسي والإنحراف السلوكي والإختلال النفسي والعقلي ، وشتى اشكال الغرائبية الفجة ، البعيدة كل البعد عن الواقعية السحرية لأدب بلدان أمريكا اللاتينية. ومعظم ما تنشره دور النشر والإشهار الروسية اليوم هو من هذا النوع السطحي من الأدب الأستهلاكي . والمشكلة لا تكمن في وجود مثل هذا النوع من الأدب، فقد كان موجوداً طوال تأريخ الأدب ، وهو موجود اليوم في كل أنحاء العالم ، بل ويتصدر المبيعات ، وخاصة الروايات الشعبية ( البوب أرت ) التي يقبل عليها الناس لتمضية الوقت في صالات الإنتظار ، وفي عربات السكك الحديد ، وعلى شواطيء البحر ، ثم يرمونها في سلة المهملات . وفي العادة لا يهتم النقاد كثيراً بهذا النوع من الأدب ، رغم رواجه ، بل يتركز اهتمامهم على الأدب الجاد . ولكل من هذين النوعين جمهوره .  أما في روسيا فلا يوجد ما يقابل طوفان الأدب الرخيص ، فقد أخذ كل من هب ودب يؤلف القصص والروايات الهابطة كأسهل طريقة للحصول على المال  . ونظراً لقة الإقبال على القراءة فقد انخفض عدد النسخ المطبوعة من كل كتاب ، بحيث لا يتجاوز عدة آلاف نسخة . وتدفع دور النشر الى المؤلف مكافأة متواضعة تبلغ حوالي(1000)  دولار عن رواية من مائة الف كلمة مثلاً . لذا يضطر المؤلف الأستهلاكي الى كتابة رواية كل شهر أو شهرين لسد نفقات معيشته وكثيرا ما يشتغل في مهن أخرى لا علاقة لها بالأدب . ما عدا شلة من نجوم الأدب الهابط الذين تتبناهم  دور النشر والإشهار التجارية الكبرى ، وتحولهم بفعل فنون الترويج والتسويق والتواصل الى ماركات رائجة في السوق .
جناية دور النشر على الأدب
أشهر كتاب الرواية في الأدب الروسي اليوم هم من صنع دور النشر الكبرى ، التي يهيمن خبراؤها على لجان التحكيم للجوائز الأدبية ، وتعمل ليل نهار حملات دعائية واسعة النطاق ، وعبر كل السبل لعدد قليل من الروائيين الإستهلاكيين والإحتفاء بهم ، ونشرالمقالات ( النقدية) المدفوعة الثمن عن أعمالهم ، واجراء المقابلات الصحفية معهم . وقد اتقن هؤلاء(الكتّاب ) أنفسهم لعبة ( صنع كاتب شهير ) كماركة تسويقية رائجة ، فأخذوا يشاركون في االإحتفالاتوالمهرجانات بالقاء كلمات أمام عدسات وسائل الإعلام ، ويلتقون الجمهور القاريء في القاعات والنوادي وحفلات توقيع الكتب الجديدة ، وتقوم متاجر الكتب بوضع صورهم في واجهاتها ، كل هذا الجهد الدعائي الهائل يهدف الى تضليل المتلقي، والإيحاء له بأن هذا النوع من الأدب الرديء هو الأدب الحقيقي. فالميديا بشتى وسائلها الفعالة والمغرية هي سيدة الموقف ، تصنع الكتّاب المشهورين وتقدمهم طعما للقاريء الساذج . والروس اناس طيبون يثقون بالدعاية التجارية المغلفة بمهارة .
ويلعب التلفزيون الروسي دوراً ممائلاً أو مكملاً  لدور دور النشر والإشهار ، فقد أصبحت قنواته العديدة ميدانا يصول ويجول فيه نجوم الأدب الأستهلاكي و النقاد المنافقون ،الذين تستضيفهم تلك القنوات ليتحدثوا عن أشياء ( مثيرة ) :كيف يمضون أوقاتهم ، وماذا يأكلون ويشربون ، وأي الأزياء – من الماركات العالمية -
يرتدون . وكيف أن الحياة حلوة في المجتمع الإستهلاكي  اما الذي لا يستطيع السكوت ويقول الحقيقة فلا فرصة امامه للظهور في التلفزيون .
التقد الأرتزاقي
من يطلع على مقالات ( النقاد ) الروس العاملين في خدمة دور النشر والإشهار ، ربما يتساءل بينه وبين نفسه : أيهما أسوأ الأدب الروسي الأستهلاكي أم النقد الإرتزاقي  المصاحب له  ؟
يفتقر المشهد الأدبي الروسي اليوم الى النقد الأدبي الحقيقي الذي خلق ليواكب الإبداع ، فهناك عدد كبير من تجار النقد الدعائي ، الذين يقومون بتدبيج مقالا ت في مديح فئة من الكتّاب المزيفين وتلميع صورهم بتكليف من تلك الدور . ليس في مقالات هؤلاء ( النقاد ) لا عرض لمحتوى العمل الأدبي ، ولا تحليل لمضمونه واسلوبه ، ولا تقييم لجوانبه الأيجابية والسلبية ، بل  كليشيهات مستهلكة من قبيل : " رواية رائعة " و " كاتب عبقري" و " اسلوب جديد " وما الى ذلك من العبارات الجاهزة، التي فقدت معناها الحقيقي في مثل هذه المقالات . ولا توجد في  .روسيا اليوم سوى قلة نادرة من النقاد الذين يقومون بعرض موضوعي للأصدارات الجديدة.وتحليل مضامينها، وأساليب كتابتها . وهو نقد بنّاء يساعد القاريء في اختيار ما يستحق القراءة ، في هذا البحر المتلاطم من الأدب  الرديء.
ومثل هذا النقد البنّاء ، رغم ندرته يلقى ترحيباً من الجمهور القاريء الواعي الذي يميز بين الأدب الجاد والأدب الأستهلاكي  ، ولكن أصوات النقاد الحقيقين الهادئة تضيع بين  ضجة الأصوات الصاخبة - للنقاد المزيفين ، والكتبة الأستهلاكيين أنفسهم - التي توهم القاريء بإن هؤلاء الكتبة ، هم الذين يمثلون الموجة الجديدة ( المبدعة ) في الأدب الروسي المعاصر . ولكن من هم أبرز ممثلي الموجة المزعومة ؟ . انهم مجموعة صغيرة لا يتجاوز عديدها عدد أصابع اليدين  بين حوالي 750 روائيا وقاصا ينتجون الأدب الأستهلاكي . هؤلاء الكتبة المحظوظون يحملون اسماء غير روسية ( بريليبين ، بيليفين ، أكونين ، وغيرهم ) من الطارئين على الأدب ، وهم يتفاخرون أنهم لا يقرؤون الأدب الكلاسيكي ، بزعم انتهاء صلاحيته ، بل انهم لا يمتلكون ناصية اللغة التي يكتبون بها ، ولهذا تجد أن نتاجاتهم زاخرة بالأخطاء المضحكة - التي لا يرتكبها حتى تلميذ في المرحلة الإعدادية. من قبيل : " انفصل عن زوجته ، وأخذ يتعشى على معاش أمه " أو " أفرز الفلاح العرق بأعداد لا حصر لها " هذا ما كتبه  " زخار بريليبين " احد اشهر الكتاب الاستهلاكيين في روايته المعروفة  " سانكا ". ويزعم النقد المزيف أن نتاجات هذا الكاتب تعكس " فوضى الواقع " في حين انها لا تتعدى فوضى الكتابة كيفما أتفق .
هناك كاتب آخر أكثر مهارة من بريليبين اسمه فلاديمير سوروكين ولا يقل شهرة عن زميله صاحب " افراز العرق بأعداد لا حصر لها ".
سوروكين يشكل رواياته من مشاهد متنافرة ومتناقضة، و يستخدم قاموساً متدنياً لفظياً ومعنوياً يتضمن أحط الألفاظ والنعوت والشتائم ، وعلى نحو لا يختلف كثيراً عن الكتابات التي يدونها المراهقون على حيطان دورات المياه العامة. وهو مهتم فقط بالنصف السفلي من جسم الإنسان ولا علاقة له بالنصف العلوي أي بالعقل والقلب والعاطفة .
ثمة مثل روماني قديم يقول ان الورق يتحمل كل شيء ، ولكن مهما حاولت أن أنقل هنا مقاطع من كتابات سوروكين ، كأمثلة على انحداره الشائن ، و خوائه وضحالة فكره ، فإن قلمي لا يطاوعني . لأن كتاباته البورنوغرافية البذيئةتفوح منها رائحة نتنة ومقززة تثير الغثيان . اما بقية الشلة من نجوم الأدب الرديء  فهم لا يختلفون كثيراً عن بريليبين وسوروكين ..
أوجه الأختلاف بين الأدب الحقيقي والأدب المزيف
الكاتب الحقيقي يخلق عالمه الخاص ، والأدب الحقيقي يستمد قيمته من جماليته و تعبيره عن عوالم الأعماق ، وكونه شهادة إنسانية عابرة للزمان والمكان ، ففي أساس كل ادب حقيقي هناك سعي لفهم الحياة وادراك قضايا الوجود الأنساني وايجاد الشكل الملائم لأيصال ذلك الى الجمهور القاريء. اما اساس الأدب الأستهلاكي فهو انتاج سلعة قابلة للبيع والتسويق . وثمة فرق جوهري آخر بين هذين النوعين من الأدب يكمن في اختلاف الدافع للكتابة ، الذي يحدد علاقة المؤلف بالجمهور القاريء . الكاتب الحقيقي صادق مع نفسه ومع الجمهور القاريء .ويقول الحقيقة دائماًويصطدم بالسلطة أحياناً .
يزعم اصحاب دور النشر والإشهار الروسية ان الأدب الجاد لا يلقى رواجاً تجاريا ، وهذا ادعاء باطل، لأن ثمة العديد من الكتاب الروس المشهورين لمعت اسماؤهم بعد نشر نتاجاتهم في الغرب وترجمتها الى عدد من اللغات الحية في العالم .
إن الدافع الأساسي لتغليب الأدب الهابط واكتساحه للمشهد الأدبي الروسي هو تخدير وعي الجماهير ، وإلهاء الناس عن همومهم الحياتية ، وزرع الأنانية في النفوس وتحويل المجتمع الروسي الى مجتمع مادي استهلاكي ، لا يعنى كثيراً بالقيم الأنسانية والأخلاقية والجمالية ،
الأصوات العالية اليوم في الساحة الأدبية الروسية،  ليس أصوات الكتاب المجيدين الذين لديهم ما يقولونه ، بل أصوات من تتاح لهم فرصة القول .، ولهذا السبب تحديدا ، فإن الأدب الأستهلاكي الروسي أشبه بأرشيف مستشفى للأمراض العقلية ، على حد وصف كاتبة و ناقدة روسية معروفة هي سفتلانا زامليلوفا . .
الأدب الروسي الحقيقي المعاصر يقبع الآن في السراديب والأقبية ،أو ينشر في الدول الأوروبية أو الولايات المتحدة .ولا يمكن القول أبداً ،ان ليس ثمة أدب حقيقي أو أدباء كبار في روسيا اليوم ، فثمة العشرات منهم ، لكنهم وحيدون ومعزولون ومغيبون ، ليس اختياراً ، بل بفعل سياسة دور النشر الإحتكارية ، التي لا تهتم سوى بنجوم أدب التسلية ، ولكن تلك مسألة وقت فقط ،فروسيا زاخرة كالعادة باصحاب المواهب الأدبية الكبيرة الذين يحترمون ذواتهم ويربأون بأنفسهم عن مجاراة دور النشر التجارية وتقديم مواضيع محل الطلب . ويعملون بكل جد لخلق أعمال أدبية جديرة بالتأريخ المجيد للأدب الروسي العظيم .

صهيل من فلوات الأرواح: عندما يصبح الشعر رسولا للإنسانية

الأحد, 23 تموز/يوليو 2017 00:00 تم النشر من قبل

إن الاختلافات بين تجربتي هذين الشاعرين على درجة كبيرة من الاتساع.  غير أنها تخفي في الوجه الآخر من الصورة عناصر اشتراك ألخصها في ابتلائهما بهموم الإبداع الشعري، وهواجسه، والتحاقهما تلقائيا بقافلة الشعراء، واتخاذهما معا العربية لغة الكتابة. ويشتركان فيما هو أهم، بالنسبة إلي، ألا وهو انتماؤهما إلى الإنسانية.

وفي ضوء هذه الثنائيات التي ذكرت البعض منها يُمكن أن نلمس خصوصية هاتين التجربتين، والتي أراها متمثلة فيما يلي:

الشعر عند الشاعرة الدكتورة كريمة نور عيساوي تجربة أنثوية بكل ما يحمله الانتساب إلى جنس المرأة من انكسار وقمع واضطهاد وانكماش وتقوقع على الذات وحلم وأمل وتمرد.  وحتى حينما تحجب مؤقتا ذاتها المنكسرة لمعانقة هموم ورعب وهلع الآخرين من الحرب فإنها تُلون هذه المشاهد بقبس من كتاب الذات (رقصة الألم، ملهى الأموات. …)، ويتداخل ما هو ذاتي بما هو موضوعي بحيث يصعب التمييز بينهما.  وتهيمن على نصوصها نبرة تشاؤمية.  هناك حنين إلى الماضي (الطفولة المنسية، حمل السجادة ورحل، أمي النخلة…). غير أنها لا تلتقط من هذا الماضي إلا بضعة صور سوداوية تكبر، وتسيح وتتمدد كبقعة زيت في ماء عذب، الماضي حلم مزعج يطل عليها من كوة الذاكرة الموشومة بالألم. الحاضر مثقل بهاجس الرحيل والعشاء الأخير رضاب الهزيمة.  والمستقبل المنشود والمتخيل يقتله الانتظار والترقب امرأة استثنائية.  وقد استطاعت أن تُعبر عن هذه الهواجس كلها في قالب شكلي متميز قوامه اللغة الساحرة التي تُذهلك بنقائها، والصور غير المنتظرة والمتناسلة التي تشدك إليها شدا، والتي تأسرك بطوقها فلا تستطيع منها فكاكا، وتنعم بتذوق طُعم الأسر …

أما الشعر عند الشاعر خالد ديريك فهو تجربة رجل صلب شاءت الأقدار أن يكون ضحية واقع متأزم.  ومن هنا نقف على تعارض لا تخطؤه العين ما بين تمسكه الشديد بالأرض الذي يصل إلى درجة التقديس، خاصة حينما أصبح بعيدا عنها، وحرمانه المطلق من الهوية حينما كان جزءا لا يتجزأ منها (أنا المنسي…. مرمي أنا).  فما أصعب أن يلفظك وطنك.  والأمر لا يقف عند هذا الحد، بل يتعداه إلى تصوير مشاهد حية من الطغيان والتسلط والقهر التي لم يرسمها بخياله الخصب، وإنما استعادها من ذاكرته المثخنة بالجراح (من الغربة إلى الديار…. أنا اليتيم المتمرد).  ذات الشاعر تذوب في الجماعة (معتقل أنا)، والجماعة هي الشاعر خالد ديريك في صيغة الجمع.  كلماته تمتح من قاموس القهر ومرادفاته، وتخلط في وئام تام ما بين الطبيعة ووجهها المليح والحرب ومآسيها.  إن شعره يعكس بوضوح هذا التمزق.  وصوره كلها مجتزأة من تجربة حياة مريرة.  لهذا ليس غريبا أن تطغى عليها نفحة المباشرة.

جملة القول إن هذا الديوان المشترك جدير بالقراءة لأنه يفتح أمام ناظرينا نافذة نُطل من خلالها على عالم يعج بالأسرار، ويحفل بالألغاز، يتعايش فيه الألم مع البهجة، والحب مع الكراهية، عالم ملتبس تخوض فيه الذات حربا على الذات، وتوجه فيه فوهة البندقية نحو جبهة الآخر لترديه قتيلا باسم مرض مزن اسمه الكراهية.

هذا ما دبجه يراع الدكتور سعيد كفايتي، في جزء من مقدمة طويلة للديوان المشترك: صهيل من فلوات الأرواح الذي جمع بين الشاعرة المغربية الدكتورة كريمة نور عيساوي والشاعر السوري الأستاذ خالد ديريك. وهو من منشورات ديهيا أما غلاف الديوان فكان من توقيع الفنانة التشكيلية المغربية زكية مكروم، وقد سهر على إخراجه في حلة جميلة القاص المغربي الكبير محمد العتروس.

رابطة آرارات الثقافية

http://www.ararat-lva.org/ar/ararat/4980

ظواهر سلبية في مسيرة الشّعراء (3) الشّعراء الصّحفيون الصَّحيفيون الصّحفيون- فراس حج محمد

الأحد, 23 تموز/يوليو 2017 00:00 تم النشر من قبل

هؤلاء الشّعراء ليسوا واحدا، وإن جمعتهم سمات مشتركة، وحتّى لا تضطرني اللّغة إلى جعلهم واحدا فقد فرّقتهم بين ثلاث فِرَق، وهم الصُّحُفيون والصَّحيفيون والصَّحفيون، مخالفا فيهم البناء الصّرفيّ المعتبر لدى أهل اللّغة، فمن هم هؤلاء؟ وما هي سماتهم المشتركة؟

لعلّ أكثر هؤلاء خداعا هم شعراء الصّحُف بالجمع، بمعنى أنّهم مرتبطون بمجموعة من الصّحف والمجلات، يكتبون لها، وفيها ينشرون، وهؤلاء نادرا ما يقرؤون سوى أنفسهم، مزهوّين بنصوصهم، يداعبونها بأكفّهم كالدّمى، يزيلون الغبار عن جُمَلها، ويحرسونها من الهمّ والحسد، يرقونها ويسترقونها، ويقبضون ثمنها، لا يكتبون بالسُّخْرة، ولذلك فهم يتمتّعون بشبكة قويّة من العلاقات الثّقافيّة للسّيطرة على سوق الإنتاج الثّقافيّ ما إن ينتهوا من نصّ إلّا وتهيّأوا لغيره، تجدهم في كلّ مجلّة أدبيّة وصحيفة وموقع إلكترونيّ، مقبلين غير هيّابين ولا (مفرملين)، كما أنّهم لا ينظرون حولهم، ولا يرون غيرهم، شبعوا زهوا حتّى لم يعودوا يعرفون غير أسمائهم، غرباء عن الثّقافة والشّعر والأدب، ولا أحد يعرفهم، ولا يقرأ لهم، لكنّهم وجدوا من يشتري نتائج أقلامهم، فكانوا شلّة، تمارس الإقصاء والتغريب، فرحوا بما معهم، ورضوا واطمأنّوا. هؤلاء لا يرون حاجة للاستزادة من المعرفة، وما حاجتهم إليها، وهم الكتّاب الكتّاب وإليهم يرجع الأمر كلّه علانيته وسرّه، وتراهم على سلّم الأولويّات في المؤتمرات والأمسيات الفخمة، والسّهرات الباذخة والسّفرات والتّمثيل الرّسميّ، هم الأرباب، والرّبّ صار صُحُفيّاً.

وأما الصَّحيفيون فهم المنتسبون إلى الصّحيفة بالمفرد، منتسبون إليها انتسابا عضويّا، حتّى غدا اسم الصّحيفة اسمهم الثّاني، فما أن يذكر أحدهم إلّا وتذكر معه صحيفته، ولا يظنّ أحد أنّ المقصود فقط الصّحيفة الورقيّة والملحق الثّقافيّ أو الصّفحة الأدبيّة فقط، بل يتعدّى ذلك إلى المجلّات والمواقع الأدبيّة التي يحلو لهم أن يصنّفوها بالرّصينة أو الوازنة أو المهمّة أو العريقة، تسويقا لأنفسهم وخدمة لنرجسيّتهم، هؤلاء قد لا ينشرون شيئا لهم في هذه الصّحف، ولكنّهم متحكّمون في السّوق الثّقافيّ تحكّما كاملا عبر شبكة من العلاقات الثّقافيّة المشبوهة مع الفريق الأوّل، فهم متشابهون جدّا ويحملون الصّفات نفسها، حتّى أنّك تكاد لا تفرّق بينهم، لما بينهم من لُحمة وتشابه وأهداف مشتركة، تعرفهم بلحن القول.

وأما الشّعراء الصّحَفيون فهم المشتغلون بالصّحافة، أي أنّ مهنتهم هي الصّحافة والتقاط الأخبار، وصياغة التّقارير الصّحفيّة عن الكتّاب والشّعراء أشياعهم والحالة الثّقافيّة عموما، ولا يخفى أن دور هؤلاء متواضعا في المجمل، فما هم إلّا موظّفون عند الفريق الأوّل، ينتجون الأخبار ويولّدونها من بعضها، فما عليهم إلّا فقط تغيير الأسماء والزّمان والمكان، وإذا بالخبر جاهز، هؤلاء يتمتّعون ببعض سلطة، وإن كانت سلطة منقوصة، ولذلك تجدهم يبالغون في إثارة الانتباه لهم عبر تلك الأخبار (المفبركة)، الّتي تحكمها المصلحة أيضا، وهم بكلّ تأكيد على وفاق وانسجام مع الفريقين الأوليين، ولكنّهم أقلّ منهم شأنا، وأهون مكانة، فلا ينظرون إليهم إلا نظرة التّابع، الّذي يُؤمر فيطيع، وما عليه إلّا تنفيذ الأمر شاء أم أبى، ولا مفر له، وإلّا سيكون مصيرهم التّعنيف أو الطّرد أو الإهمال، أو ...

هذان الفريقان الأوّل والثّاني، ليس لديهم ما يقولونه حول الأدب، نفضوا أيديهم منه منذ زمن، ولكنّ المشكلة في الفريق الثّالث، هؤلاء الصَّحَفيّين (المشتغلون بالصّحافة) الّذين يناضلون من أجل أن يرتفعوا إلى مصافّ الأدباء أو يتشبّهون بهم، أو أن يتشبّهوا بواحد من أعضاء الفريقين الأوليين، وما عليهم بجانب تقاريرهم المتناسخة إلّا أن يعابثوا الشّعر ويتطفّلوا عليه، فيأتون بما لم يأت به شاعر من قبل، فيقلبون النّظام الشّعريّ كلّه، بلغة صحفيّة ركيكة وصور هشّة، وفقر في المعنى، بل تجدهم يهربون إلى ما قد يظنّون أنّه مدهش منعش و(مفرفش) من لغة الجسد الفجّ، العديم في شهوته، والنّيّء في أعضائه، لا يثير الجمال، ولا حتّى شهوة المراهقين العابثين، بل إنّهم خير وسيلة للإقلاع عن التّشبّث بأفلام (البورنو) لما سيجده القارئ من قرف اللّغة و(عجقة) المشاهد والصّور.

هؤلاء الشّعراء الصَّحَفيون يتوسلون بواحد أو أكثر من أعضاء (المافيا الثّقافيّة) السّابقة، ليتحدّثوا عنهم في بعض الدّعايات أو اللّقاءات، إنّهم يكبرون في الظّلّ، ويتمدّدون في العتمة، ويتلاشون تحت وقع أقلام النّقّاد، مع أنّ النّقّاد الجادّين لا يلتفتون إليهم، ففي قراءتهم ضياع للوقت والانشغال بهم عمل عبثيّ بامتياز، لذلك تجدهم يتبخرون في النّور، ولم يعد يسمع بهم أحد لا من قريب ولا من بعيد، وكأنّ تلك (الهوجة) الإعلاميّة الّتي صاحبت دواوينهم لم تكن إلّا زوبعة في فنجان ليس أكثر.

هكذا يتقوقع الشّعراء الصُّحُفيون والصَّحيفيون والصَّحَفيون ليشكّلوا ظاهرة سلبيّة عمّ خرابها الشّعر، وصارت مهمّة البحث عن نصّ جيّد في ركام الورق ومنشورات المواقع، كأنّك تبحث عن إبرة في بيدر عظيم من القشّ، عدا ما يمارسه هؤلاء من طمس للمواهب الحقيقيّة، فيتجاهلونهم، ولا يحفلون بهم، رضوا أن يكونوا مع أنفسهم لأنفسهم كمثل الّذي ينعق بما لا يسمع إلّا دعاء ونداء، صم بكم عمي فهم لا يعقلون، فلا هم منتجون حقيقيّون ولا يريدون لأحد أن يكون شاعرا حقيقيّا لأنّ الرّعب يأكلهم، إن حدث وسمع الجمهور باسم جديد، فإنّهم سيشنّون عليه أسلحة الثّقافة المدمّرة، حتّى يصمت أو يبتعد أو يتلاشى، فكم من شاعر قتيل نتيجة سوء أفعالهم.

أتحاد الكتاب والأدباء الكلدان يقول الشاعر التركي ناظم حكمت :أن لم احترق أنا وأن لم تحترق أنت ، فمن الذي يضيء لنا الطريق ؟

السبت, 22 تموز/يوليو 2017 00:00 تم النشر من قبل

(تلك الحياة .. تتطور وتتقدم بتحدي لما هو قائم وقديم ، تحتاج لتجدد وصفاء ونقاء بأخلاص وتفاهي ونضال دؤوب وفق مباديء حيّة .. وهذا هو الذي نسير عليه)

تأسس أتحادنا المناضل (أتحاد الكتاب والأدباء الكلدان) في الشهر التاسع من عام 2009 ، ساهم بتأسيسه نخبة مثقفة من الكلدان الغيارى على تاريخهم وحضارتهم وأصالتهم ومنبعهم وتراثهم وأفكارهم القومية والوطنية والأنسانية وفقاً لقانون عادل ومنصف وحريص للحياة ، وعليه أستمرينا بالأتصالات والحوارات المتواصلة  لفترة تجاوزت العام لنجني ثمار جهدنا ، ببزوغ شمس الأدب والشعر والنثر الثقافي لجيل الكلدان الغيارى ، يسودهم العمل التطوعي وروح التضحية بغلاوتها على أرضية متينة تعي الظروف الذاتية والموضوعية لأستمرارية هذا العمل الثقافي والأدبي والفني ، بالتعاون والتآزر مع حيثيات الأدب والثقافة للشعب العراقي بكامل تنوعاته ، بعيداً عن التحزب السياسي وأعتماداً على الذاتيات المتواضعة بموجب القدرات والأمكانيات المتاحة ، كأعضاء الأتحاد المذكور ثقافياً وأدبياً وفنياً مهتماً بالشأن القومي الكلداني. 
 فاتفقنا على اسم الأتحاد (الأتحاد العالمي للكتاب والأدباء الكلدان) وباللغة الأنكليزية
"THE INTERNATIONAL UNION OF CHALDEAN WRITERS (IUCW)"
وباللغة الكلدانية ( 
ܚܘܝܕܐ ܬܒܝܠܝܐ ܕܟܬܘܒܐ ܘܣܦܪܐ ܟܠܕܝܐ) عند بداية تشكيله ، وبزغ نوره بالنظام الداخلي للأتحاد كدستور يعمل وفقه ، بعد حوار جاد لأعضاءه المؤسسين(ال 25 عضو) حتى أستقر الرأي وبشكل ديمقراطي بناء في الأتفاق على مفرداته ومواده كاملة ، ودواليك تم أجراء بعض التعديلات على نظامه الداخلي.
الأتحاد تنظيم أختياري طوعي ثقافي أدبي فني قومي مستقل سياسياً ، معتمدين على الذات في تمشية امور الأتحاد من تبرعات شعبنا الكلداني واشتراكات اعضائه من الكتاب والأدباء الكلدان ، نتصرف وفق قدراتنا وأمكانياتنا المالية البسيطة المتواضعة ، لنا طموحاتنا الذاتية وفق الظروف الموضوعية المعتمدة على شعبنا الكلداني الواعي وبقية المناصرين للأتحاد من الشعب العراقي.
لقد كانت بوصلة الأتحاد متجهة نحو توعية الشعب الكلداني قومياً وثقافياً وأدبياً وفنياً ، كونه أحد المكونات العراقية الأصيلة ، لأنه أمة كلدانية بأمتياز وشعب مسالم ووديع ، يحب الخير للجميع قبل محبته لنفسه  بعيداً عن ألغاء وجود ودور الآخرين ، محترماً مشاعر وخصوصيات جميع مكونات الشعب العراقي. 
 للكلدان علماء وأدباء وعمال ومزارعين وتجار وأرباب العمل...والخ .، أضافة الى مختلف الحرف الأنتاجية الصناعية والزراعية والتجارية والمهنية ، ومنهم من تولى ويتولى مناصب كبيرة في العهدين الملكي والجمهوري للعراق قديماً وحديثاً.
لماذا أتحاد الكتاب والأدباء الكلدان؟

لمسنا نحن النخبة المثقفة ، ان حقوق شعبنا الكلداني  مسلوبة في وطنه وبلدان اغتراب شعبنا الكلداني  ، وهناك محاولة لتمييع تاريخه وحضارته ووجوده القومي ، لذا تطوعنا للدفاع عن الحقوق المهضومة والمتجاوز عليها من قبل الأصدقاء قبل الأعداء ، وللأسف قسم منهم كلدان قبل الآخرين الرافضين جملة وتفصيلاً وجودنا تاريخياً وحضارياً ،  لذا يتطلب العمل على نشر الوعي القومي الثقافي والأدبي والفني  بين بنات وأبناء أمتنا الكلدانية العريقة.  
فسخرت وبزغت أقلامنا لحملة واسعة في المحافل الدولية لتعريف شعوب العالم بحضارة وتاريخ  الكلدان في وطنهم الأم لأصالتهم التاريخية في بلاد الرابدين.

لذا ..  فأن مهمتنا ليست يسيرة ، بل أنها عسيرة وصعبة وشاقة ومعقدة جداً ، كون الطريق وعر وشائك وغير معبد ، وليس منثوراً بالورود والرياحين ، وللأسف الشعور القومي الكلداني  ضعيف بسبب التراكمات السابقة للأنظمة الشوفينية المتعاقبة من جهة ، ومن جهة اخرى شعبنا كنيسي ديني مغيب وجوده القومي كشعب كلداني أصيل متواجد قبل ظهور الأديان بما يقارب 5300 قبل الميلاد.   
ففي بداية عملنا الكتابي والأعلامي  الثقافي والأدبي ، كان تواصلنا مع مذبحة صوريا الكلدانية الدامية القاتلة لشعبنا الكلداني الذي صادف في 16 ايلول 1969 م ، فاستطاع اتحادنا تحفيز عمله وحشد اقلامه أعلامياً ، حتى تبنت القضية الشبه المنسية الأوساط المتنفذة في أقليم كردستان والحكومة الأتحادية ، وفي كل عام أتحادنا (أتحاد الكتاب والأدباء الكلدان) ومعه منظمات المجتمع المدني وخصوصاً الأتحاد الكلداني الأسترالي في فكتوريا \ أستراليا يقوم بأحياء ذكرى شهداء صوريا الخالدة.

أتحادنا يقدر عالياً حقوق الكائنات الحية قاطبة في الكون ، ولا يتدخل في أنتماء أعضاء الأتحاد في الأحزاب السياسية من عدمها ، تلك قناعة العضو وحريته الكاملة من الأنتماء أم عدمه ، حيث لدينا أعضاء مستقلين سياسياً ، وفي الوقت نفسه منتمين سياسياً ، لأحزاب متعددة ، حالنا كحال بقية المنظمات المدنية الأخرى، ومن بين أعضائه كلدان مسيحيين ومسلمين وأعضاء مؤازرين للأتحاد. 
الأتحاد يمتلك رؤية واضحة وتصور كبير لمناصرة حقوق شعبنا الكلداني وقضيته القومية المهمشة والمغيبة الحقوق ، وولد وفق الظرف الموضوعي الذي حتم أنطلاقته الميمونة ، بعيداً عن الحقد والكراهية والتعصب الأعمى والضغينة والعداء لأية قوى سياسية أو دينية أو أجتماعية والخ ، بما فيهم اخواننا الآثوريين والسريان مثالاً وليس حصراً ، كوننا شعب واحد تجمعنا المشتركات العديدة والعلاقات المتميزة ، من النواحي الأجتماعية والثقافية والأدبية والفنية ، أضافة للعيش المشترك والعاداة والتقاليد المتقاربة ، لكننا لنا حق طبيعي في الأحتفاض بهويتنا القومية وتاريخنا العتيق العتيد وخصوصياتنا ومبادئنا ، (علمنا الكلداني .. شعارنا الكلداني .. نشيدنا الكلداني ..لغتنا الكلدانية .. هويتنا القومية وتاريخنا وحضارتنا الكلدانية) أنها ثوابت لا يمكننا التنازل أو المساومة عليها مطلقاً ، وأخيراً وليس آخراً تمكن أتحادنا من أصدار مجلة فصلية سميناها (بابلون) ساعياً ومتواصلاً للأستمرار بأصدارها من مدينة ملبورن \ أستراليا ، مع الأحترام والتقدير لجميع المكونات الأخرى للشعب العراقي. 

حكمتنا: (أن لم تتمكن من زرع وردة تعطر الناس ، لا تزرع شوكة توخز أجسادهم).

حزيران\2017

ملاحظة:هذه المقالة تم نشرها في مجلة بابلون التي صدرت في شهر حزيران\2017 ، من قبل نفس 

Popular News

صدر للشاعر والكاتب مصطفى محمد غريب في تموز 2017 المجموعة…
26/7/2014 لايتجاوز الوعي الابداعي الانساني الموجودات التي تحاكي ذاته، وتنشأ…
المدخل/ أفواه وأرانب رواية للكاتب المصري " سمير عبدالعظيم "…
ارتباط الكاتب بروح الوجودية المتشبثة بروح المسؤولية الاجتماعية جعل كل…

هاتف بشبوش، شاعر و ناقد، عراق/ دنمارك- إحسان أبو شگاگ حين يومضُ في الحجر( الجزء الثالث )

الخميس, 20 تموز/يوليو 2017 00:00 تم النشر من قبل

دخل لصّ بيت العجوزيْن

لم يجد غير بصيص شمعة، أبريقا،أدوات طبخ بالية..

الفراش حصيرة من الخوص

فهمّ بالخروج مسرعا..

قال له العجوز:

تريّث قليلا

سأخرج معك لنستعيدَ من المُتخمين

ما سرقوه من بستان الوطن!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

مثلما تصرّف يومًا ذلك المحارب الفقير الذي اتّفق مع حبيبته ( جيسيكا)   و التي لا تملكُ شيئا هي الأخرى على سرقة أباها اليهودي المرابي        ( شايلوك) في رائعة شكسبير تاجر البندقية لكيْ يستعيدوا ما سرقه هذا البخيل المجرم و قد مُثّلتْ هذه الرّائعة في فيلم جميل( 2004) من قبل الممثل البارع ( آل باشينو) و (جيرمي آيرونز) و الشّاب ( جوزيف فاينس) عشيق جيسيكا .

و نتيجة هذا الفقر و اللّصوصية تدفع النّساء الجزء الأكبر من المعاناة        و البقاء على هامش الحياة تُنشد الخلاصَ في أقربِ فرصةٍ لها كما في هذه الآبيات الومضة البديعة من بوح ( هذيان) :

تجلس مع هذيان اللّيل

تعلن عن صراخها الصامت

قاربت الثلاثين مختنقة بعفة الحياء:

الخوف من زوجة الأب ..

تنتظر قدوم الفارس راكبًا حصان الحلم!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إنّه الحلم الذي يصفه لنا ديستويفسكي في أغنيّة المروج التي تغنيها الفلاحة الروسية في القرن التاسع عشر و التي ترجو فيها من أبيها أنْ لا يُزوّجها إلى عجوز كبير السنّ بل من قرينها. و هناك أغنيّة عراقيّة من الفلكور العراقي تقترب من هذا الفلكلور الروسي و أيضا على لسان حال امرأة عراقيّة و التي تقول ( أنا الحديثة أنا بنت الدلال .. أنا زوجوني أنا شايب جبير) .

العنوسة و ما أكثرها في العراق حيث وصلت إلى أرقام خياليّة نتيجة ما فعلته الحروب التي جعلتْ من الشّباب يبتعدون عن مؤسّسة الزّواج . العنوسة مُخيفة لما فيها من نتائج مؤلمة على المرأة كما في فيلم        ( المتشرّدthe homesman)  من تمثيل المشاكس (توم لي جونز)         و الحسناء ( هيلاري سوانك) و الستينيّة العمر الجميلة ( ميريل ستريب) حيث نرى راهبة الكنيسة تقوم بارتكاب الزنا بعد أنْ أفنتْ كلّ عمرها تخدم الربّ وبيت الربّ مُحتفظة بعفتها و طهارتها لكنّها في نهاية المطاف و بعد أنْ بلغت الشّهوة فرجها طلبتْ من خادمها القميء الكثّ اللّحية             و المتّسخ، بلْ توسّلت إليه أنْ يفتحَ بكارتها كيْ تعرف ما معنى الجنس   و طعمه و لذّته . و بعد أنْ جرّبته و عرفتْ معنى الانتشاء الحقيقيّ و الخدر العظيم و الرّعشة التي تخلق السّعادة في لحظات ولوجه الدافئ في عضوها و الذوبان في إلتحام الجسديْنِ بروحٍ واحدةٍ، نامتْ قليلاً من أثر الاسترخاء الجنسيّ الجميل بعد انتهاء شوطه، ثم انسلّتْ من فراش خادمها لتنتحرَ شنقًا في اللّيل الحالكِ ثأرًا من نفسها لكرامتها التي أُهينت بهذه الطّريقة المُذلّة .

و يستمرّ بوح الكاتب في تضحيّة المرأة و ما تُكابده من ألمٍ في ثيّمة       ( مرابٍ):

في وَضَحِ النهار خيَّم الظلام

على أجواء البيت!

الشفاه ترتعش

خوفا من ضجيج الحياة ..

مسمار الظلم تدقه يد لا ترتجف!

دخل البيت محمرَّ الوجه تخنقه عبرة الألم

أمتزج الحزن مع الصمت..

نظرات الأطفال هادئة..

دنت منه

لمسات يدها تمسِّد شعره

ماذا قال لك المرابي؟

اجمعي أشياء البيت

فنحن سنغادر!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

و بين هذه و تلك و كلّ المآسي التي قرأناها ينعطفُ إحسان انعطافة أخرى من أنّ هناك من الرّجال الأشدّاء و هناك من الحبّ الجميل الذي لا يمكنُ أنْ يخلو من قلوب الآخرين حيث نقرأ أدناه عن سكّيرٍ طيّب لا ذاك السكّير الذي قرأناه في الثيّمة أعلاه و الذي وسوسَ له صدره في طرد امرأته في منتصف الظّلام . لنقرأ النصّ للسّكران الذي نشمّ فيه رائحةَ الإنسانيّة الحقيقيّة المنشودة ( سكّير):

استفاق من نشوته..

تذكر موعدا مهما..

دخل الزقاق متمايلا..

سقط أرضا

صار المشهد كوميديا أمام أنظار المارة..

وسط الزحام ناولها ظرفا و اختفى!

سألها الواقفون: أتعرفين هذا الرجل؟

أجابت: نعم كنت في انتظاره منذ أول أمس..

كفيل أيتامي!

ـــــــــــــــــــــــــــــ

مثل ذلك الشيخ الذي أرادَ تبرّعات لترميم الجامع فلمّا أنهى خطبته حول هذا الشّأن و تبرّع المُتبرّعون من المصلّين و جمع المال وجده لا يكفي لبناء عشرة بالمئة من الجامع، فخرج مهمومًا منكسرًا فإذا بسكّيرٍ ببابِ الجامع ينتظرُ الشّيخ ،و قال له السكّير أنا أريدُ التّوبة على يدك فخُذْ منّي هذه المليون دينار تبرّعًا منّي وغدًا انتظرني لأجلبَ لكَ عشرة ملايين أخرى لكيْ أرى الجامع مرمّمًا كاملاً .. فقال له الشّيخ أرجوكَ لا تتُبْ الآن يا أخَ العرب الطيّب الكريم قبل أنْ ننهي ترميم الجامع، ابقَ على سكرك    و مجونكَ حتّى نُنهي ترميم بيت الله على مالِ خمّارٍ طيّبٍ مثلكَ.

 الله الله ما أحلى روحك المعطاء أيّها الماجن المُحبّ للصّهباء المُشعشعة كما قالها يومًا أحد شعراء العرب القدامى ( إذا صدمتني الكـأسُ أبدتْ محاسني ...و لمْ يخشَ ندماني أذاتي و لا بخلي) .

بعد السّكر و نهنهة اللّقاء و الخلاّن و النّدماء سيكون الحب حاضرا إذ أنّ جلسات الخمر هي عبارة عن لقاء مع الشّعر،لقاء مع الثّقافة،مع السّعادة الحقيقيّة القصيرة حيث الضّحك و المرح و الغناء، فالشّاعر والكاتب لا يمكن أنْ يتغذّى بدون الحبّ، فالحبّ هو الوجبة الرئيسيّة التي تُعطي الكاتب القوّة و الفيتامين البوحي الإبداعي، فبدونه يضمحل و يصيبه الهزال        و النّضوب و لذلك الكاتب إحسان توقّف عند منعطف الحبّ و جاد لنا برائعته             ( يا أمّ قاسم) :

يا أمّ قاسم:

لماذا ارتعبتِ حين سقطتُ مُضرّجاً بشوقي؟

إنني أشكر ُالحجر الذي شجّ رأسي

فاتحاً لكِ الطريق نحو غدي..

لماذا ارتعبتِ؟

لم أجدْ بساطاً أحمرَ أجملَ من دمي

أفرشهُ لقدميك!

ــــــــــــــــــــ

(أنا المتيمُّ و العليلُ و هواكِ سهمٌ صادني)...مهما تخفّيتَ أيها الصّادي   فلابدّ لكَ أنْ تُجهر علانيّة ..مهما تكتّمتَ و انزويتَ في عشقكَ لابدّ لكَ أنْ تتباهى أو تبوح لأحدٍ ما منْ أنّك تُحبّ حدّ الوجع أو أنّك لازلتَ على طريق الصّراط المؤدّي إلى الجحيم أو إلى الجنّة فكلاهما سيّان جنّتها أو نارها فهي التي تستأهل كلّ الفداء . و حينما يسألوكَ عنها تجيبهم على طريقة نزار قباني ( لا تسألوني ما اسمه حبيبي ...أخشى عليكم ضوعة الطيوبِ...و الله لو بحتُ بأيّ حرفٍ..تكدّس اللّيلكُ في الدّروبِ) . الشّاعر إحسان استطاع أن يصف إحسان العاشق في تضحيّته وفداءه لأمّ قاسم ( زوجته التي لا زالتْ على درب الوفاء ) و كيف لا يُمانع في أنْ يفرش الدّرب التي تمشي عليها أقدامها دمًا أحمرًا قانيًا، فهو هنا يعلنُ صراحةً من أنّ الحياة بدون أمّ قاسم لا تساوي شروى نقير و إذا ما تطلّب الأمر الدّفاع عنها في الملمّات أو كحرّة عراقيّة من حرائر العراق من رجس الأجنبيّ و المحتلّ فلا بدّ له أنْ يكون جنديّا محاربًا لكيْ يُعطي دمه فداءً   و حبّا . فهنا كان إحسان آيروتيكيّا محضًا، لأنّ الآيروتيك تصمد أمام كلّ شيء كما و أنّها تعني قبول الحياة حتّى الموت .

ثمّ ينتقل الكاتب من حبّ الحبيبة و الزّوجة أو الأمّ إلى حبّ الوطن . الكاتب لا يمكن له أن يتخلّف عن حبّ الأرض التي نشأ و ترعرع فيها فراح إحسان يحزن على أرضه و شعبه في ( اعتذار) :

آخرَ النهارِ الشّمسُ لَمْلمتْ أذيالَها مرتبكةً

و انحنتْ على بساطِ البحارِ الزرقِ..

اعتذرتْ لكلِ طفلٍ فقد َوالدهُ

و لكلِّ أرملةٍ

و لحبال الحناجر التي تقطعتْ من الصراخِ!

أشارتْ إلى العراقِ برايةٍ السلامِ

لعلهُ يخلو من رائحةِ البارود!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قبل سنين أنا صاحبُ المقال أوجزتُ يومًا عراقيّا في الزّمن المُفخّخ         و العنيف فقلتٌ في مقطعٍ من قصيدةٍ طويلةٍ :

دمٌ في صباح التمنّي

حديثٌ عن الأشلاء

برابرةٌ يلوكون بعد التشظّي خطاياهمْ

كلّ سيل الرّصاص و تحت السّراويل

مزاليجٌ تشيرُ إلى الجنةِ

و لحمُ شواء

ــــــــــــــــــــــــ

سطورٌ بحقّ الشّاعر 

تحيّة لإحسان لما قدّمه لنا من روائعٍ تستفيق لها النّفوس النّائمة، تستيقظُ لها الضّمائر الحيّة التي ربّما تغفل في فترة ما عن جادة الصّواب،تستنيرُ بها النّفوس الحالكة لدى حواء و آدم، تستطيب لها الرّوح لما فيها من الحقائق الوجدانيّة و الرغائبيّة التي نعيشها يوميّا، الحقائق التي تُمارسُ في الخفاء وخلف الكواليس، ولهذا لمْ يُصدّقها البعض أو يبقى متحيّرًا إزاءها، و هذه كلّها شكّلتْ بانوراما حقيقية لكلّ ما قرأناه عن إبداع إحسان أبو شكاك.

كما و إنّني أستطيعُ القول من أنّ الحياة لابدّ لنا أنْ نُبدع فيها في مجال الحبّ أو السياسة أو قضيّة ما حسّاسة يتوجّب أنْ نضعها في طاولة النّقاش . و أنا كشاعر استطعتُ أنْ أدركَ معاني الثيّمات الرّاقصة الرّشيقة التي أطلّ بها الشّاعر إحسان علينا و استطاع أنْ يثيرَ فينا المُتعة و الرّغبة في التّحديق لأفخاذ حروفه الجميلة اللاّمعة التي لابدّ للعيونِ أنْ تنظرَ إليها بشغفٍ و إثارةٍ و سعادةٍ دون مللٍ .

 استطعتُ أنْ أعرفَ أنّ لدى إحسان من الإبداع و النّبوغ الذي جاءه متأخّرًا أو كان دفينًا لأسبابٍ نجهلها على الأقلّ في الوقت الحاضر مثلما قرأنا في الانطولوجيا الأدبيّة للنّابغة الذبياني الذي كتب القصيدة التي يُعدها البعض من المعلّقات (يا دار مية بِالعلياء فالسندِ .....أَقوت و طال عليها سالف الأَمدِ) و هو الشّاعر الجاهلي الشّهير الذي لُقّب بهذا اللّقب لأنّه نبغَ في الشّعر و أبدع فيه دفعةً واحدةً و هو في سنّ متأخّرة و في الخمسينيّات من عمره.

و هذا ينطبقُ على الشّاعر إحسان الذي هو الآخر كتب نصوصه النثريّة الدّاخلة في القصّة و الخارجة من الشّعر في الخمسينيات من عمره فنستطيعُ أنْ نُطلقَ عليه " النّابغة أبو شكاك " على سبيل المثال. و هذه ليست بعيدة المنال لو استمرّ الشّاعر في المثابرة وسهرَ اللّيالي و طلبَ العلى و مضى قدما في عالم البوح الإبداعي .

شخصيات بصماتهم مشهودة.. بدل رفو نموذجاً..!!- محمد سليم سواري

الثلاثاء, 18 تموز/يوليو 2017 00:00 تم النشر من قبل

مشيغن / أمريكا

أنا أعرف الكثيرين من الكتاب الذين عاشوا لأسباب معينة وغايات محددة في مدينة ما وفي فترة زمنية ليست بقليلة ولكنهم يبخلون حتى بالجزء البسيط من وفائهم لهذه المدينة التي رعتهم وإحتضنتهم حيث كانت الملجأ والمأمن والدفئ والنافذة على آفاق مختلفة من الحياة .

وبناءً على ذلك فإن ما لمسته ولاحظته من رحلات الكاتب الرحالة بدل رفو ، فإنه عندما يزور أية مدينة على خارطة الكون من كوردستان وإلى النمسا والمغرب والهند والمكسيك فإنه لا يبخل بحبه لمدن هذه البلدان ولا يؤد هذا  الحب لتلك المدينة وقد آوته لأيام معدودة .. فهذه مثلاً مدينة شفشاون في المغرب يتكلم عنها ويحبها وهي قريبة منه قربه من قرية شيخ حسن حيث مسقط رأسه .. وهذه خاصية يفتقدها الكثيرون وإن دل هذا على شيء فإنه يدل على أن هذا الإنسان ذو الإحساس المرهف يملك في قلبه شحنات من الحب الصادق ما يحس بكل آلام ومعاناة البشرية وأتراحهم ويبتسم لمباهج الآخرين وأفراحهم .

لقد كَتب الكثيرون من الكتاب والأقلام عن بدل رفو ككاتب أو شاعر أو مترجم أو رحالة أو إنسان حيث أدلى كل واحد منهم بدلوه ومن خلال الزاوية التي عرف بها هذا الإنسان عن قرب أو بعد .. أما أنا فقد عرفت بدل العصامي لا العظامي عن قرب في ثمانينات القرن المنصرم وفي مدينة بغداد ، حيث كانت بغداد تحتضن الكثيرين من الطلاب في مختلف مدن العراق للدراسة في جامعاتها وكنتُ واحداً منهم .. فكان يتواجد في أروقة الإذاعة الكوردية ، دار النشر والثقافة الكوردية ، المجمع العلمي الكوردي ، جمعية الثقافة الكوردية ، مقر صحيفة بزاف ، أو الحضور في مهرجانات نوروز ونشاطات كوردية أخرى .

لقد كان وجوده في بغداد هي البداية الحقيقية لتكون الخطوات الأولى من هناك على طريق في مسيرة ليست بالسهلة أو مفروشة بالحرير والورد لأن من يحمل القلم سلاحاً والفكر الإنسان منهجاً والتحلق في الآفاق الرحبة هدفاً لابد وأن يعاني الكثير من الآلام والآهات ويواجه العديد من الصعاب والعقبات ، ولن أنسى تصميمه على ترجمة بعض نصوص بوشكين الروسي إلى اللغة الكوردية أو العربية وتعريف القاريء به وهو لم يزل طالباً في المرحلة الثانية من دراسته في قسم اللغة الروسية .

وتمضي الأيام ليستمر الكاتب والشاعر بدل رفو في مشواره عبر العالم ليكون ديدنه تعريف العالم المتمدن بأدب وتراث شعبه الكوردي وليكون لسان الكورد وسفيرهم في العديد من البلدان لتكون بصماته واضحة في العديد من المجالات ولسان حاله ( إنما نُطعِمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً ) .. وصدق الله العظيم .        

محمد سليم سواري

مشيغن / أمريكا

28/6/2017

 

(العائلة في الغربة)- كتاب جديد للأستاذ الدكتور رياض البلداوي

الإثنين, 17 تموز/يوليو 2017 00:00 تم النشر من قبل

يستمر الدكتور رياض البلداوي في نشاطه العلمي والبحثي، وها هو يضع بين أيدينا ثمرة جديدة من نتاجاته، حيث صدر له كتاب جديد عن دار نشر  studentlitteraturالسويدية بعنوان: (العائلة في الغربة)

حيث يسلط الضوء على معاناة العوائل المهاجرة من خلال نظرة ثقافية ونفسأجتماعية.

ويحاول البلداوي من خلال هذا الكتاب أن يلقي الضوء على التحديات التي تواجه العوائل المهاجرة وخصوصا من الشرق الأوسط الى السويد في فترة التأقلم على أنماط الحياة الاجتماعية في البلد الجديد، ويدرس المشاكل التي تتفاقم بسبب الاختلاف الثقافي والاجتماعي وكذلك القانوني بين خلفية  العوائل المهاجرة وطبيعة المجتمع الجديد.

الكتاب هو خلاصة العمل الكلينيكي والبحثي الذي يقوم به الدكتور البلداوي وفريق العمل الذي معه، في مركز الشرق للصحة النفسية في العاصمة السويدية ستوكهولم، والذي أسسه الدكتور البلداوي ويرأسه منذ أكثر من ٢٥سنة.

الكتاب مزود بعدد كبير من الحالات الكلينيكية التي أستخدمت من أجل توسيع الفائدة للقارئ في كيفية التطبيق العملي لحل الأزمات التي تواجه العوائل والطرق  العلمية والعملية التي اتبعها فريق العمل لمساعدة هذه العوائل للخلاص من تلك الأزمات التي رافقت العائلة في سعيها لايجاد أفضل السبل للتأقلم على المجتمع الجديد وفض النزاعات الداخلية أو الخارجية منها بشكل يضمن التطور لجميع أفراد العائلة ويجنبها الوقوع في خلافات قد تكون حادة مع مؤسسات المجتمع الجديد.

الكتاب علمي الأساس وعملي الأسلوب، لكي يصل الى الباحثين والدارسين في مختلف الفروع الإنسانية والطبية أو النفسية في  الجامعات أو لكل من يهتم بموضوعة الكتاب، ويقع في ٢٨٠ صفحة ومزود بعدد كبير من المصادر ليسهل استمرارية البحث في هذه الموضوعة.

هذا وسيكون هنالك حفل التقديم الأكاديمي للكتاب في الأول من ايلول (سبتمبير) القادم الساعة الثالثة بعد الظهر في القاعة الرئيسية في الكلية الجامعية أيشتا:

Ersta Sköndal högskola på söder

والدعوة عامة لمن تهمه موضوعة الكتاب.

ظاهرة الشّعراء الصّراصير- فراس حج محمد

الأحد, 16 تموز/يوليو 2017 00:00 تم النشر من قبل

كم هو محزن هذا الكائن اللّغويّ المسمّى "الشّعر"، يتزاحم على أبوابه كلّ متطفّل "غريب الوجه واليد واللّسان"، حتّى غدا عدد الشّعراء أكثر من عدد الصّراصير. أتأمّل حالنا نحن الذين كنّا نشارك في الأمسيات الشّعريّة، كثيرين كنّا، لكنّنا لم نكن شعراء، كلّ واحد منّا كان يحرص على أن يصطحب معه صديقه، ويتوسل إلى آخرين كي يحضروه، وإذا لم يأت هؤلاء الآخرون، يبدأ مسلسل العتاب و"الحرد الثّقافي" الأزعر. وعندما كانوا يحضرون، إن أسعفنا الحظّ وكان عدد الجمهور مساويا لعدد الشّعراء المشاركين أو أقل قليلا، كانوا يتلهّون بمكالماتهم وجوّالاتهم، وإن سكتت التّكنولوجيا، تراهم يغيبون في أحاديث جانبيّة، بالتّأكيد كانت ساخرة من مجموعة الصّراصير الصّائية في خراب العالم المنهار.

الآن أدركت احترام الشّعراء لشعرهم، وكينوناتهم الإنسانيّة أوّلا، وأتفهّم جيّدا رفضهم مشاركة الصّراصير حفلات الاحتباس اللّغوي، كانوا يحصّنون أنفسهم ضدّ السّخرية والتّردي والانصياع لظاهرة "الصّرصرة" المتزاحمة على معمعان الأصوات المبهمة في مهرجانات اللا كلام.

لم تكن ظاهرة الشّعراء الصّراصير لتظهر لولا هؤلاء المدّعين شعرا، لقد أفسدوا بظاهرتهم متعة أن تكون "شاعرا محترما"، أنظر إلى احتجاب الشّعراء الكبار في صوامع جماليّاتهم الزّاهية الّتي تزداد نصاعة يوما بعد يوم، كلّما تعمّقوا في ذواتهم، واستمعوا إلى دقّات قلوبهم الصّافية، وهي تتلقّى الوحي شعرا إلهيّا يتسرّب إلى كل خليّة في أفكارهم، فتتولد القصائد كائنات نورانيّة لا تشبه إلا نفسها. فيزهر الكون جمالا رائقا، ويتحول الكون إلى جمهور صامت يستمع برهافة إلى ذلك النّور الرّاشح في كلّ صورة أو معنى، فيغيب عن الوعي البشريّ "الصّرصوريّ" ليرتوي من عذب الرّوح الرّبانيّة المتجلّية في كلّ جملة.

كلّ شيء فاسد هذه الأيّـام، لأنّ الشّعر فاسد، إنّه مصنّع في عُلَب من البلاستيك والنّيكل والنّحاس والحديد الصّدئ، معالج بالأصباغ واللّغة الجاهزة، تنظر إليه وفيه، لا تجد شيئا، تحاول أن تتذّوقه لا طعم له، تفوح منه رائحة، تشبه رائحة صرصور "مفعوس". أتذكر هذه الرّائحة وأنا كنت طفلا، عندما كنت "أجرم" بصرصور بريء متسلّل إلى غرفتنا الوحيدة، لأراه بعد قليل وقت وقد تجمّعت عليه أسراب من "الذّر"، إن هذا هو حال شعرنا اليوم، شاعر صرصوريّ "مفعوس" تتكالب على رائحته النّتنة أسراب من صغار النّمل.

أبشّركم، وأبشّر نفسي، وأبشّر كلّ صرصور مزهوّ بنفسه، أنّ الظّاهرة مستمرّة، بل ستنتعش أكثر وأكثر، فقد صارت الصّراصير أكثر تكاثرا، وعلا صوتها، وتهيّأت أسراب الذّر لتنبش هياكلها لتتركها شبه قوقعة، سرعان ما يتهاوى ما بقي من قوقعتها، ولا تستطيع المقاومة. فظاهرة الشّعراء الصّراصير في ازدهار، وتعيش حداثيّتها في أبهى صورها، تعرّش في كل اتجاه وتفخر أنها تنتسب إلى هذا المحفل العظيم من الشّعر الصّرصوريّ في أكمل صورة متطوّرة حداثيّة لا تعرف غير الصأصأة في اللّيالي الحالكة.

ظاهرة تستحقّ العناية والدّراسة؛ فهي حالة نادرة لم تمرّ بها البشريّة منذ أقدم عصورها البدائيّة، وحتّى الآن، ظاهرة نقديّة بكر، سيكون لها مآلها المحمول على أكتاف العرّافين الكاذبين، والدّجّالين من الإعلاميّين البررة، والأنبياء الغارقين المحتالين، والنّاشرين المدهشين، المستقيمين على الجادّة العرجاء وسط متاهة ألعاب الفيديو بأيدي أطفال صغار، ما زالوا يتدرّبون على الاستماع إلى أصوات الصّراصير كلّما امتنع النّوم عن أن يداعب عيونهم الباحثة عن الهدوء. لكنّهم لا يعرفون أنّ ثمّة جوقة من الصّراصير أكبر حجما وأشدّ تفاهة سيصدمهم صوتها ويصطدمون بها في كلّ ناحية من كتاب أو برنامج تلفزيونيّ أو مجلّة أطفال، وتحوّلهم إلى كائنات لا تعي، ولا تستطيع أن تنام إلّا وهي معبّأة الكيان بهذه الظّاهرة العجيبة، ظاهرة الشّعر الصّرصوريّ. فلتفرحي يا أسراب "الذّر"، فتهيّئي، فإنّ موائدك وفيرة!

رسالة أخبارية

قم بأضافة بريدك الالكتروني كي نرسل لك الاخبار و المواضيع حال نشرها

110 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع