أدبية و ثقافية

أدبية و ثقافية (59)

Latest News

رواية " أفواه وأرانب " والمعالجة بمنظور ماركسي!؟- عبدالجبارنوري*

الأربعاء, 16 آب/أغسطس 2017 00:00 تم النشر من قبل

المدخل/ أفواه وأرانب رواية للكاتب المصري " سمير عبدالعظيم " 1977 على أرض مصر ، تعالج الرواية قصة الفقر والغنى وعدم التخطيط الأسري ، ربما يوحي عنوان الرواية " افواه وأرانب " بتصديه لمناقشة قضية خطيرة هي الأنفجار السكاني الذي يفرّخ الكثير من الأفواه التي تعاني مرارة الجوع نتيجة السلوك الأنجابي المشابه لسلوك الأرانب في خصوبة النسل ويؤدي هذا التزايد في معدلات المواليد إلى ألتهام كل زيادة في الأنتاج ويزداد الفقر والجوع ، وحياة بائسة فقرة لا تعرف الأستقرار والأمان ، ، وعندههم تعيش أكوام من اللحم الحي المضمحل والآيل إلى السكوت الأبدي ، برسوم أطفال عراة جياع مرضى مهملين ضائعين ، وتدور الرواية حول أسرة مصرية تعيش فيها بطلة القصة " نعمت " مع شقيقتها الكبرى وزوجها عبدالمجيد وأولادهم التسعة ، وعبد المجيد شخص سكير لا أبالي مستلب الأرادة والمباديء ، يشتغل في السكك الحديد بمرتب ضئيل يكاد لا يكفي أعالة أربعة أرانب من التسعة ، وللخلاص من هذا الوضع المزري يجد عبدالحميد حلاً متهافتأ ربما بليدا فيه شيء من الحماقة والأنانية المفرطة هو تزويج نعمت الشابة اليافعة والرقيقة من " طنطاوي " أحد حيتان السوق السوداء والتهريب وعلى ذمتهِ ثلاثة نساء أخر ، لذا دفعت بنعمت أن تختار الهروب من هذا الفخ القاتل إ لى المنصورة وتشتغل  في عمالة مزارع شاب ثري أسمهُ ( محمود بيه )  ، توسّم فيها الذكاء والفطنة والأخلاص والمهارات في العمل وترتيب حياته الصاخبة وأعجب بها وأحبها وثم يتزوجها ويعيل عائلة شقيقتها .

المتن/ وهنا يبدو المؤلف سميرعبدالعظيم  ضائعاً هو الآخر مشتتاً يتساءل هل هذه المعاناة جراء كثرة الأنجاب ؟ أم من رب الأسرة عديم الشعور بالمسؤولية مدمن على الخمرة سكير عاطل ؟ أم من غياب حكومات تعمل على أرضاء الحاكم بأمر الله ؟ أم من مزج هذه الأسباب جميعها معاً ؟! وربما هو الصحيح ، ويبدو على المؤلف أنهُ يبشر بحلول سحرية وهمية لمشاكل عميقة معقدة يفسدها التناول السطحي التجاري ، ويتوقف حيناً ربما يلتقط أنفاسهُ ليصل بالقاريء للخاتمة بنقلة نوعية سحرية من عالم التراجيديا  الملهاة الحزينة والمبكية إلى النهاية الرومانسية في أيجاد الفردوس المنشود في زواج نعمت من الشاب ( محمود بيه ) البورجوازي وتكفله بمساعدة العائلة مادياً ومعنويا ً ، ويتوقف " سمير عبدالعظيم " ويعجزعن اللجوء إلى الحل الشمولي الجذري ليس فقط لهذه الأسرة المنتخبة لأشغال فصول الرواية بل للشعب المصري الذي كان بتعداد أكثر من ثمانين مليون نسمة بفارق طبقي مرعب ، بل يكتفي باللجوء إلى الحل التوفيقي المؤقت .

ملاحظات نقدية تحليلية في تجليات أفكار المؤلف (العلاجية) للرواية :

-يطرح المؤلف حلاً غريبا هو أن معاناة الفقر من مسؤولية الأسرة لأنجابها الغير محسوب ، وكأنهُ يقترب من نظرية مالثوس عراب النموذج الأقتصادي الرأسمالي من حيث يدري أم لا يدري حيث قادتهُ إلى نتائج مغلوطة .

- ومن هنات ما في الرواية أنهُ يرسّخ مجموعة من القيم والأفكار التي تناقض واقع الحياة التي يريد أن يعبر عنها وهي :

1-أختيار الأسرة الفقيرة والتي جعلها جزيرة مغلقة منذ  البدأ ، ولم يوضح للقاريء والمتلقي واقع أسر مصرية أخرى ليس فيها سكير  أو متكاسلون ، وهم يفتقدون سقفاً يحميهم من غضب الطبيعة ويسكنون ( الترب ) أي المقابر .

2- التأكيد على نجاح الحلول الفردية غير المنطقية ، كصعود تسلق نعمت الطبقة البورجوازية بسرعة وسهولة عجيبة .

3- ثم العمال الزراعيون عند المزارع الشاب كيف تمكن من تخديرهم ليعلنوا الرضا والقبول بواقعهم كنخبة مستغٌلة ومستلبة والعجيب لا أحد يعترض أو يطالب بتحسين ظروف العمل وهو شيء لا ينطبق على التسعينات بل على القرون الوسطى حيث الأقطاع ونظام القن .

4- وثمة نقطة نظام في آراء المؤلف في الرواية هي { أن مشكلة الفقر هي مشكلة صنعتها طبقة الفقراء بتكاسلهم وسلبيتهم }

الخاتمة /  أن الثورة أفراز لواقع أجتماعي ، وهناك من يحصر أسباب الثورة في العوامل الأقتصادية ومن أبرز المنادين بهذا الأتجاه : سان سيمون وكارل ماركس وجميع اليساريين ، ويرى ماركس الثورة هي رحلة طبيعية وحتمية في حياة المجتمعات ، ويؤكد على علاقات (الأنتاج والتوزيع ) ، في نفس الأتجاه نرى ( لينين ) يؤكد على عامل التخلف هو عامل حاسم في التغيير ، وبالتالي تصبح الثورة حتمية ، حيث أن القهر والسخط والفقر والجوع والبؤس والمعاناة يمكن أن تخلق جواً ثورياً ، وهنا يضيف ماركس أن هذه المعاناة لا تكفي للثورة أن لم تتوفر القناعة والأرادة النفسية في تحقيق تغيير الواقع المر والمزري .

وعلى هذا الواقع المنظور في نضوج مقومات التغيير لدى الشعب المصري المليوني ، وبوضوح الفارق الطبقي المرعب ، كان من المفروض على المؤلف أن يستوعب نظرية ( مالثوس ) العدوانية في زيادة السكان بنسب تفوق نسبة الموارد الغذائية ويدعو إلى ما سماها ( الموانع الوقائية ) يقصد بها تأخر الزواج وضبط الشهوة الجنسية وأشعال حرائق الحروب لتأكل الزيادة السكانية ، وكان ماركس قد دعا في كتابه رأس المال بالمتوالية الحسابية بالباطلة حيث يعتقد : أن النظام الأقتصادي السائد في المجتمع هو الذي يتحكم في عدد السكان وليست الخواص الثابتة في الطبيعة .

وكذلك نذكر المؤلف تطور وسائل علمية حديثة لمضاعفة أنتاج الغلّة الزراعية ، والتقدم التكنلوجي باللعب في هندسة الجينات مما أدى إلى زيادة الأنتاج ووفرة السلة الغذائية ، أذاً تكون المبالغة بخطورة النمو السكاني وما يرافقه من فقر وجوع وفاقة مع أغفال دور التقدم العلمي والتقني والذي يوضح مساويء النظام الرأس مالي النفعي التجاري الذي يندفع إلى رمي الزيادة الأنتاجية في البحر كي يحقق التوازن في العرض والطلب ويهمل الجانب الأنساني ، بأعتقادي يكون حبل النجاة للأنفجار السكاني هو نهج الأشتراكية العلمية ولا غيرها مما أسموها بالأشتراكية الحميدة أو الرشيدة .

مصادر البحث/ * تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية 1992 ص 314 * كارل ماركس – كتاب رأس المال * محمد سيد غلاب – أقتباسات ديموغرافية وجغرافية – القاهره 1978 ص 175

*كاتب وباحث عراقي مغترب

الفضاءات الشعرية تنفتح في ديوان" حكاية تروي البحر" للشاعر الكبير محمد خالد النبالي- جوتيار تمر/ كوردستان

الأربعاء, 16 آب/أغسطس 2017 00:00 تم النشر من قبل

26/7/2014

لايتجاوز الوعي الابداعي الانساني الموجودات التي تحاكي ذاته، وتنشأ علاقة وطيدة مع سياقه الوجودي من جهة، وسياقة التاريخي من جهة اخرى، هذا ما يقدمه لنا ديوان " حكاية تروي البحر"  المتضمن ل (35) نص شعري مميز، وذلك عبر حالة شعرية ذات خصوصية واضحة، وبراعة في ابتكار اللغة والصور بعيداً عن ما هو مألوف من خلال فضاءات شعرية متنوعة اثمرت نضجاً ووعياً متنامياً لدى الشاعر في ديوانه الرابع، من العنوان نلمس قيمة الوظيفة الاغوائية او التاثيرية  التي انتهجها الشاعر وذلك بوصفها آلية ذات طابع تحريضي، تنطوي على فعل القراءة الذي يعد بشكل من الاشكال ممارسة تفكيكية من حيث هي قراءة في دوال النص وآلياته، ومن ثم نلاحظ تلك المساحة والفضاءات الشعرية التي اشتغل عليها سواء من حيث فضاءات النفس او الواقع او التاريخ.

وتعتبر فضاءات النفس هي من مرتكزات هذا الديوان باعتبار ان الذات الانسانية تقبع في خضم هذه التجربة بين معطيات تفصيلية منوعة منها تلازمية ومنها تفاعلية واخرى شعورية لايمكن حصرها في اتجاه محدد دون الاخذ بنظر الاعتبار الاتجاهات الاخرى حتى ان كانت مغايرة ومتضادة معها، وعلى هذا الاساس عاش شاعرنا فى مهمة لا تنقطع، يبحث باستمرار عن ذاته الحقيقية، ويسعى لتعريف العلاقة بينها وبين العالم، ومن هنا كان يقدم ذاته ويطرح نفسه كمشروع إنساني لا يقف وراء ستارة بل تجد ذاته حاضرة في اغلب ان لم نقل كل نصوصه " وانا حبل ممزق انتظر / حورية البحر" و " ماعدت ادرك لي ارادة/ طيف" و " لكنك لاتأمرين بسوء وانا لاادري/ تزواج القناديل" و " أتسحر والغراب يأكل من رأسي/ تجلت الاقمار" و" انا اسافر لوحدي/ انفاس المطر" و" انا ظلم لنفسي/ اعصار الحب" ووردت انا بصورها المختلفة في نصوص اخرى كنص شمس اخرى وغياهب الشوق ورحيل النوارس مما يشير وبوضوح الى تجلي الذات في التماساته الوجودية وترويه الصوفي.

على هذا الاساس نجد بأن فضاءات النفس اخذت حيزاً كبيراً في الديوان بل وكما اسلفنا القول شكلت احدى اهم مرتكزاته وهذا ليس بامر غريب على الشعر الحداثي الذي تعتبر فضاءات النفس هي الاقرب الى وجدان الشاعر والاعمق في تشكيل تجربته الشعرية والاصدق في التعبير عن معاناته وهمومه واماله والامه واحواله واندهاشاته وقلقه واغترابه وانكساره وانتصاره وقوته وضعفه كما يقول " د. احمد الزعبي" .

لقد تمخض عن فضاءات النفس جملة قيم تقويمية ذات علائقية واعية بالذات الشاعرة وشكلت من خلال مكوناتها وتراكيبها الدلالية معالم صورية مبتكرة منتمية بوجوديتها الى الذات، ومعبرة بنسقها التوظيفي عن مدى المؤثرات البرانية والتي تمثلت في الكثير من الاحيان بالبحر وماسواه في السياق الاجمالي للنصوص.

اما فضاءات الواقع  فقد انبثق منها صور اغترابية اخرى تتناسب الانغماسات الذاتية في العمق الوجودي المنحاز هنا الى التشاؤمية او العدمية باعتبارها صورة مستنبطة من منطومات الواقع نفسه، سواء على المستوى الاجتماعي او العاطفي او الثقافي او غيره من المستويات التي ساهمت في تشكيل رؤية الشاعر وموقفه وفلسفته في الحياة والوجود، وكذلك في بلورة رسالته من خلال الشعر ففي قصيدة الدمع خارج المجاز تجلى هذا الاندماج الحتمي " كان العالم معطوباً وطال انتظاره للمعجزات.." لتعبر بوضوح عن رؤية الشاعر وعن فلسفته وموقفه من الواقع، الذي يمر بتحولات غير مسبوقة في منظومته القيمية على اغلب الاصعدة.

وفي سياق فضاءات التاريخ نجد توهجاً واضحاً في منظومة الشاعر الدلالية وتماهياً مع دوائر انتمائية موروثة واخرى انسانية تتناسب مع قراءة الشاعر للوجود لكون قراءته للتاريخ بلاشك ستختلف عن قراءة الاخرين فهو يقرأه من منظور وجداني تأملي ثم تخزن في اعماقه هذه التأملات والانفعالات حتى اذا ما جاءت لحظة ولادة القصيدة وجد هذا المخزون الوجداني المتراكم يتسرب الى عالم القصيدة ويشكل ارضية يبني الشاعر عليها رؤيته وموقفه واحلامه بل وتنفتح امامه افاق ومديات ربما لم يكن يتوقعها " تفتح كل بوابات التاريخ امامي، فانا من الاغريق، وظلي من مصر القديمة../كهرمان العقيق"، وفي قصيدة زجاج لايلين نراه يتقمص دور الصوفي الذي يرى في الذات الملهمة له بانها كل الوجود وكل الحضارات" انتِ الحضارة القديمة والجديدة..."، وبهذه المحاكاة وذاك التماهي نرى ان شاعرنا استغل تلك الفضاءات الشعرية بآليات وتقنيات حداثية موفقة.

كل تلك المرتكزات استطاعت ان تقدم لنا ديواناً شعرياً مميزاً ومتفرداً سواء من الناحية البنائية والتوظيفات الدلالية والصورية او من الناحية الشخصية حيث جعلتنا نلامس قوة شخصية الشاعر وموهبته التعبيرية التى تطرح ذاتا متفردة فى وجودها وعلاقتها مع الموجودات ضمن دائرة التشظى وكسر التابو. 

ملكة زاهر نورس يغرد على شواطئ الشعر- شاكر فريد حسن

الجمعة, 11 آب/أغسطس 2017 00:00 تم النشر من قبل

من ربوع جبال الكرمل الخضراء الشماء ، ومن قرية عسفيا العامرة باهلها ، يأتينا صوت شاعري دافئ جديد وصاعد ، هو صوت ملكة منير زاهر ، التي دخلت محراب القصيدة وبوابة الكلمة بكل هدوء واتزان ، وبخطى واثقة ، فلم تخدعها هالات الاعلام ، ولم تأخذها كلمات المديح والاطراء ، ولا بريق الشهرة الزائفة ، فلم تجمع نصوصها وتدفع بها الى المطبعة ، لتقول انها اصدرت مجموعة شعرية ،كما هو حال شعراء المنصات في ايامنا. ، فهي متأنية وغير متسرعة .

ملكة تكتب ما يجول في صدرها ووجدانها وعمقها وسويداء قلبها من عواطف ملتهبة ، ومشاعر دافقة . تكتب بجوارحها واحساسها الشاعري المجنح الصادق ، وببوحها على الورق تحس بالارتياح النفسي ، وتشعر بالسعادة .

كلماتها كزخ المطر ، هادئة ورقيقة وناعمة كروحها المرهفة ، فهي تدهشنا بمفرداتها ولغتها ، التي تأتينا بانسيابية وايقاعية وتكامل لتتشكل الجملة والعبارة بجمالية فنية .

ملكة زاهر تحلق بعيداً في عالم الخيال والالهام والابداع ، مدركة ان القصيدة لا تأتي بسهولة ، وان الشعر هو اكتشاف في عمق الانسان ..!!

ملكة شاعرة رومانسية مفتتنة بالطبيعة ، وسنابل الفرح ، وحقول الجمال ، انها تناجي السماء والقمر والنجوم ، وتشدو للحب بكل خلجة شعورية .وهي كالشعراء المهجريين الرومانسيين تعانق الزهور والظلال ، وتعيش الحلم في اجواء واحضان الطبيعة الخلابة ، تطارد الفراشات ، وتناغي البلابل المغردة .

تتبدى في نصوص ملكة زاهر الطابع العاطفي الذي يتجلى في رقة بفوران العاطفة ، وما بعدها من رقة الاحساس ، والشوق والحنين ، والتعلق بالوطن والحياة ، الى جانب الطابع الصوفي المتجلي في حب الطبيعة والاندماج فيها وفي وصف جمالها ،عدا عن الطابع الوجداني والنزعة الانسانية ، والشعور القومي .

ملكة زاهر بوحها شفاف صادق ، فهي تهاتف الروح وتراود النص ، وتتفاعل داخل بنية القصيدة ، محلقة في سماء السحر والخيال ، مبدعة في تشكيل لوحاتها النثرية والشعرية التي تزيدها جمالاً ورونقاً لغتها السهلة وايقاعاتها الموسيقية ، وتلك الاطياف التي توظفها في تشكيل لوحاتها الابداعية .

فلنصغي اليها وهي تشدو برقة وانسياب ودهشة :

توثبت شرايين الروح

لتعاتق تمتمات حروفه

المتغلغلة بحضن

القصيدة الغانية

فوق وشاحها الربيعي

المبعوث من وهج

شمسها المشتعلة

لتلامس بحذر

بحر العيون الهائج

بشقاوة اشعتها

خوفاً من

الغرق

في قصائد ملكة روح وتفاعل وصفاء وبهجة متأججة ، تتصف كتاباتها عامة بالصدق العفوي التلقائي ، والتعبير الأخاذ ، والكلمة الرقيقة الدافئة ، والاحساس العالي بالاشياء.

هي تكتب بلغة الايحاء ، وتغوص في عمق الوجدان ، مازجة بين المشاعر والرؤى المشفوعة بالحلم الوردي الجميل .

ملكة زاهر تغرد في سماء الكلمة الشعرية الناعمة ، السهلة ، الممتنعة ، بعيداً عن التكلف والصنعة الشعرية  ، وهي نورس مائي جميل الصوت عذب التغريد .

مليكة موهبة شعرية تحتاج الى المزيد من العناية ، بدقة فائقة ، والى الصقل بالقراءة الجادة ، والتجربة اليومية المعاشة، والبحث عن اسرار اللغة ومكامنها ، وتشذيب الافنان وتقليم الاغصان ، وارواء جذور السنديانة الشعرية الكرملية لتبق مخضرة ، يانعة ، وزاهرة ، ومزهرة .

ملكة زاهر تسبح على شواطئء الحلم الشاعري ، على امل الوصول الى قاع وعمق البحار ، وانني على ثقة تامة انها ستصل بمزيد من الحذر والغوص المتأني دون خوف ، لكي لا تغرق .

لملكة زاهر الحياة ، والامل باشراقة حالمة ، ومستقبل واعد ثري بالعطاء.

السماوي في روضته العشقية ( حديقة من زهور الكلمات ) - جمعة عبدالله

الجمعة, 11 آب/أغسطس 2017 00:00 تم النشر من قبل

السماوي برز بحق كقامة شعرية عملاقة  ,  وكرمز شعري مرموق , في القصيدة المعاصرة , التي تحمل جمالية التكوين والصياغة والبناء المركب في نسيجها . وهو يترجم  عصارة  خياله الواسع بأفاقه اللامحدودة ,  في المتخيل في الرؤى والرؤية  , في اطلالة  الوحي الملهم , الذي يصوغ القصيدة في ثوبها البراق والمشع والمضيء , وهي تتلقف شحنات حزنه ووجدانه المحترق . لذلك فأن  القصيدة تتنفس برئة أحاسيسه الوجدانية  , ليجعل نبضاتها حية نابضة في مشاعرها , لتكون لها تأثير متحفز بالاثارة , في صورها الفنية , التي تتحكم بها تقنيات وادوات أبداعية  منتجة وخلاقة  , في براعة التنسيق المرتبط بترتيب مدهش , بان تكون الصور الفنية ,  تخوض عملية تركيبية , في جمالية ,  اللغة والايقاع والنغم والجرس الموسيقي , ليعطي هالة تكوينية لبراعة تصوير الصور الفنية   , وله قدرة كبيرة في تحويل القصيدة في شحناتها المتنوعة , الى أن  تتناغم مع الحلم العشقي الذي يحمل لوائه , بكل اقتدار , انه يوظف كل خزين امكانياته في القصيدة , لمقارعة الواقع الذي انحرف عن جادة الصوب , ودلف في طريق اعوج واعمى محفوف بالمخاطر , له قدرة فذة في فراغ شخناته بشكل خلاق في رضاب الرومانسية والصوفية والايروسية , في تفاعل مؤثر يكون صدى لمرآته الابداعية والوجدانية  , مع التناغم في حلمه العشقي , ليكون حقيقة تمشي على ارض الواقع بكل عنفوان وجاذبية. انه بحق ( ساموراي ) العاشق , الذي يمشق حزام القصيدة ,ليقاوم , وينزل الى ساحة  المنازلة , لكي يرمم الواقع الذي دلف الى السريالية الغرائبية , ولكي يظهر جمالية الحب والعشق بأنهما  الاقوى  , وبسبب الذي جاء في المقدمة الرائعة  للاستاذ النقد الكبير  . حسين سرمك بقوله ( تخلي الشعراء عن موضوعية الحب , تعزيز لسطوة اشباح الارهاب في حياتنا ) انه يقرع ناقوس الخطر , على الواقع المصاب بمرض الشخوخة المتصابية في مخالبها الجارحة والنزافة بالدماء المفتوحة . وفي سبيل ان تكون معادلة متكافئة بين الحب والارهاب , اذا كان  ليس في مقدور الحب ان يكسب البرهان والجولة , انها منازلة ضارية لا هوادة فيها , لكن ( ساموراي ) العاشق يكافح من اجل انتصار حقيقة حلمه العشقي , في بناء مملكته العشقية المنشودة , ولا يمكن ان يكون الاقتحام مؤجل , بل حانت دقة ساعته , ان يكون التفعيل المؤثر ومحفز بالاثارة  , احد الدوافع للاقتحام , انه يزرع بذور الامل والتفاؤل , في هالة روحية صوفية  , متناغمة في نسيجها مع الحلم الرومانسي , ليحلق في الفضاء البعيد , الى السماء الخامسة , ليولد من جديد طفلاً رومانسياً ’ ارجوحته غيمة , ودميته القمر , نكاية بالشيطان وتقرباً الى الله 
هي 
عشقتني نكاية بالشيطان 
وأنا 
عشقتها تقرباً الى الله 
حين تدحرجت من قعر بئري 
الى قمة سمائها الخامسة 
عدت طفلاً أرجوحته غيمة 
ودميته القمر 
هي 
عاقلة حد الجنون 
وأنا 
مجنون حد الحكمة 
× الامل : يبدأ بناء مملكته العشقية بالامل , الذي يعيد الامور الى مسارها الصحيح والصائب , ويعدل ميزان العدل المقلوب , ليخلق مسحات من التفاؤل , التي تخلق روحية جديدة , لمواكبة الحلم بالواقع الجديد المرمم بعدالة العشق , ليكون اكثر تفاعلاً وقبولاً في الاماني الامل  
من أين لي 
بازميل ينحت المستحيل 
لأقيم 
لحبيبتي 
تمثالاً من القبلات 
وللكادحين 
نصباً من عرق الجباه .. 
للأطفال : 
أرجوحة من الكركرات ..
وللعراق : 
جدارية 
من صلوات موسى الكاظم 
وتسابيح 
عبدالقادر الكيلاني 
× المعجزة : للعشق له مشهيات رومانسية لذيذة في نكهتها , وفي بريق امنيتها ان تتحقق , بما يشبه المعجزة في هالة نورانية في المبتغى والمشتهى والمنشود 
النيازك 
كلها تنتهي بأنتحار الشهب 
إلا 
نيازك نهديك 
تنتهي 
برعود شبقي 
----------------------- 
هاتني شفتيك 
فأنا اريد 
أن انحت لكِ تمثالا 
من القبلات 
------------------- 
الماء الذي استحم به جسدكِ
سقيت به الشوك 
فأضحى زهورا !!
- وكذلك المعجزة تفعل فعلها اذا تحققت , في معاقبة الطحالب الخضراء , الذين عملوا بشهية انتقامية لخراب وتحطيم الواقع وقيادته نحو الانحراف الاعوج , لذلك يحتاج الواقع الى ابي ذر الغفاري جديد , ليقود الجياع نحو الآلهة التمر 
وليس من أبي ذر الغفاري جديد 
يقود الجياع 
نحو 
 الآلهة التمر ؟ 
--------------------- 
الذين وعدونا بالجنة 
فأدخلونا الجحيم 
ما الذي نقوله لهم 
 غير ما يقوله النمل للعقرب 
والفأس للشجرة الميتة 
------------------------------
الساسة 
يتناطحون في مستنقع المحاصصة 
 بكرة وعشيا 
فاجعل لي 
من تهشيم قرونهم 
آية 
× مفردات عشقية :  السماوي له اسلوبية متميزة وخاصة  في قاموسه العشقي التي تحمل شغاف ايروتيكي بهالته المشتهاة , وديوان ( حديقة من زهور الكلمات ) حافل بهذه المفردات الايروسية , بنهكة الاشتهاء المشهاة 
رجولتي تحترق 
فاطفئيها بنار أنوثتكِ !
------------------------------
حتى محراثي 
يأبى تقليب الجمر 
إلا 
في تنوركِ ! 
------------------------
يوم تسلقت عليك قبلة قبلة 
سقطت مغشياً عليكِ
من أثر اللذة 
× معاناة العاشق : انها معاناة مريرة وقاسية فوق طاقة التحمل , انها درب الالام والمعذبين , كأنهم محكوم عليهم بالمعاناة الابدية , في حمل صخرة سيزيف وتنقل بها عبر دروب المنافي الغربة  والطرق المجهولة . كأنهم يتنقلون بثقل صخرتهم مثل القرود بين الاشجار 
أبي 
ليس سيزيف 
فمن 
اورثني هذه الصخرة المشدودة 
الى ظهري ؟ 
وأمي لم ترضعني دموعا.. 
لم تقمطني بوسط .. 
ولم تلدني على ظهر ناقة 
فلماذا أمضيت نصف عمري 
وأنا أتنقل 
من شعبة تحقيقات الى الاخرى .. 
من سوط الى سوط .. 
ومن منفى الى منفى 
كما يتنقل القرود 
من شجرةٍ الى شجرة ؟ 
× كفاح العاشق : ان طريق النضال محفوف بالمخاطر والاهوال  , وليس طريقاً معبداً بالورود والزهور , وانما هو كفاح عنيد وصلب, وصراع كسر العظم , من اجل ان يظل العشق اقوى من الموت , واعلى من اعواد المشانق 
أحياناً تغدو المشنقة 
منصة ضوئية 
يعتليها العاشق لالقاء أخر منشور سري 
عن عشقٍ 
( أقوى من الموت وأعلى من اعواد المشانق ) 
× نزاهة العشاق : اثبت التاريخ والواقع الحياتي  , بالبراهين الدامغة التي لاتقبل الشك والريبة , بنزاهة وصدق واخلاص احفاد عروة بن الورد ’ في قلوبهم واياديهم الناصعة البياض , في زمن الغش والفساد واللصوصية , وهي قصيدة موجهة الى الشيوعيين والديموقراطيين , الذين زكتهم الحياة بنزاهتم وعشقهم للانسان والارض 
   أحفاد  عروة بن الورد 
بسطاء 
كثياب أبي ذر الغفاري 
خفاف 
كحصان عروة بن الورد 
راسخون كالجبال 
يكرهون الاستغلال 
كراهة الشجرة للفأس 
يحبون العدالة 
وحيثما ساروا 
تنهض المحبة من سباتها 
عطرهم عرق الجباه .. 
ومثل تنور يمنح خبزه للجياع 
مكتفياً برماده 
وقبل الختام , لابد من ذكر القصيدة التي تفوح بعطر الرياحين , الى سادن النقد الادبي الاستاذ الكبير حسين سرمك , بقلبه المشع بياضاً , وروحه المعطرة بالرياحين 
أقسم ب ؛ حاء ؛ حياتك 
وب ؛ سين ؛ سناك 
وياء يقينك 
ونون نقائك ؛
أنني سأبقى أتيمم بتراب يومك 
حتى لو حضر ماء أمسي 
كلما افترشت حصيرة الطين 
ميمما قلبي الى العراق 
ووجهي الى السماوة ! 
×× × ديوان ( حديقة من زهور الكلمات ) الشاعر يحيى السماوي , من اصدارات مؤسسة المثقف . سدني / استراليا 
×× لوحة الغلاف : بريشة الفنان صادق طعمة 

Popular News

26/7/2014 لايتجاوز الوعي الابداعي الانساني الموجودات التي تحاكي ذاته، وتنشأ…
المدخل/ أفواه وأرانب رواية للكاتب المصري " سمير عبدالعظيم "…
يعالج الكاتب حليم يوسف المجتمع كونه نسيج جامع لكل الصفات…

تأملات نقدية في سوبارتو لحليم يوسف- ريبر هبون*

الأحد, 06 آب/أغسطس 2017 00:00 تم النشر من قبل

ارتباط الكاتب بروح الوجودية المتشبثة بروح المسؤولية الاجتماعية جعل كل شيء يتعلق بالوصف والجنون في تجسيد الشخوص مرتبطاً بقضية أولية وهي الخلاص من الجور والقيود المتمخضة عنها.، حيث أقحم الكاتب الملهاة في عرض المأساة، على نحو يبعث على الدهشة والتساؤل، كونهما مثار تجلي في حياتنا، وواقع شعوبنا في ظل أنظمتها الاستبدادية الشمولية، وهي استنباط مغازي من وحي تجارب المجتمعات، ومعاناتها، وعلى نحو يحسن من رؤى الأفراد في مدى استيعابهم لحقيقة الواقع وضرورة تغييره، ولاشك أن الملهاة والمأساة هما وجها الحياة، على اختلاف بيئات المرء ونمط قناعات محيطه، وفي الرواية تتجسد الهيئة العامة للحياة بما تفصح عنه اللغة في مقدرتها على التوثيق والرصد، وإحداث تقابلات ورؤى في ميدان التوصيف والجلد الذاتي الكامن في دواخل الشخصيات الهاربة من شبح موتها اليومي والمتعدد الأوجه ، ففي ذلك تتجلى مكامن القوة الوجدانية في التأثير عبر اللغة، فلا تذهب الرواية مذهب المتعة المجانية، طالما مكبلة بمتانة بخيوط الأسى والخيبة، وعلى نحو متزامن ومواكب لحالة المتلقي التأملية، حيث تهتم الكوميديا في معالجة الظواهر النفسية للأشخاص، وتصويرهم بأسلوب يثير في النفس لواعج الحنين إلى المكان والزمان عند إثارة الوصف، وبهذا تنتصر الرواية الواقعية الغائصة في روح المجتمع، لترسل له رسائل تتضمن شكل الحياة بساطتها ومرارتها والأمل الكامن فيها، وهكذا تعمد اللغة بأساليبها الحيوية الخاصة في إتمام ذلك الحوار المهيج ما بين لغة الكاتب وخيال المتلقي، حيث تساعد الكوميديا إلى جانب التراجيديا في فهم سوبارتو، وما يرادفها من أماكن شبيهة بها في كل مكان من أنحاء الوجود، حيث تغدو الرواية للإنسان في كل زمان ومكان، ووسيلة تقويم وتغيير لكل الرواسب التي ماتزال تسكن داخل الإنسان نتيجة حوادث الزمن، حيث تعمد الرواية إلى تبيان الغاية والوسيلة المراد تحقيق الهدف من خلالها، وهو إشعار الإنسان بعظم ما يلاقيه من أهوال مضاعفة إبان مسيرته لتحقيق عالم أفضل، حيث تعطي الكوميديا التعبيرية دوراً للاشعور في أن يبرز ويتحدث من خلال سمات الملامح والحوار عن ما يتم الترويج له من قبل الكاتب، وما يبثه من إشعار بحقيقة الواقع التي تنعدم فيه خواص الرأفة والنزوع للمثالية، بينما تقوم الرواية بتحوير خيال الكاتب وذاتيته ، نحو محاولات متعددة الغرض منها تجسيد الواقع فنياً وتحقيق مطلب التأثير بالآخرين ونقل حصيلة تجاربهم بطرائق تهب المتعة والفائدة، وكذلك لتنقل الأفكار التي تحدث في داخل المرء وذهنه الرغبة في عقد السجالات الهامة والمثيرة والتي تشكل الغاية القصوى من أي عمل روائي على وجه الخصوص، حيث يسود اللا استقرار في ملامح الشخوص وأماكن تواجدهم، السارد يتحدث عن سحنات الناس، أفكارهم، تعلقهم بالخرافات، وتبعيتهم للمشايخ، مما نجد سطوة العجوز فلك النفسية على سليمان وعلى كل أفراد القرية لنرَ هنا ص40: " لمع نجم العجوز فلك تلك الفترة، ببثها لأخبار إضافية لا تعرفها الإذاعات أيضًاً، كانت تنال نصيبها من هدايا الأخبار القادمة من الجهات البعيدة. بدأت تهتم بهندامها. ما أذهل سليمان أنها لا تسمع الراديو ومع ذلك تعرف كل شيءولأنه رآها مشرقة الوجه ذلك اليوم فقد تجرأ وسألها عن كوخها المغلق

-اسمع يا سلو... إياك أن تقترب من الكوخ. لا يوجد فيه غير الأفاعي والعقارب. حذِّر أصدقاءك الملاعين أيضًاً من التفكير بالاقتراب من باب الكوخ.  "

نجد نبرة القسوة إلى جانب إدخال الرهبة متجلية في قولها، فالهالة التي تحيط بالكوخ تحاول بث حقيقة التفكير لدى المجتمع، بالإضافة إلى صعوبة التحرر من الفكر الغيبي، الملازم لطبيعة الحياة وتفكير ونمط قناعات أهلها، حيث تتجلى السادية المفرطة التي تستخدمها العجوز بحنكة على مجتمع مازوشي اعتاد التألم إلى درجة الكبت والحرمان من حقه في الصراخ، فمتلازمة القسوة والكوميديا تمضيان على نسق واحد أحياناً لتنقلان لنا الروح النفسية للشخوص وما يحاول الكاتب الإشارة إليه هو أن طبيعة الفكر الجامد يتحلى بنمط من الخمول الذهني والإذعان لسلطة الأقوى المتسلح بالتأثير الديني والخرافي ، حيث أننا نستخلص من خلال هذه المتلازمة التي تجمع بين قسوة الخطاب السلطوي وكوميديا القهر الذي يمتهنه المجتمع بسذاجة وطبيعية لتعطيان لنا قدراً من الأفكار الفلسفية المفيدة عن طبيعة هذه المعاناة المقدرة على أن يحملها أفراد البيئة منذ طفولتهم على نحو القدر الذي جعل من سيزيف حاملاً للصخرة، فيما لا شك فيه أن الأسطورة متجلية في سوبارتو، بلقيس، سليمان، شخصيتان يعاد بثهما وصنعهما على هيئة محلية وهما مشتقتان من قصص دينية، ففي ذروة الفكاهة لابد من معرفة عمق المأساة المتجلية في خباياها، وهذا ما أراد الكاتب حليم يوسف من تبيانه وجلاءه، حيث الاغتصاب الذي عبر عنه  بطريقة تدعو للضحك والغضب في آن، إنها ثنائيات مضادة، لكنها تثير التساؤل، فالتعبير عن مراحل البؤس والمشقة التي يلاقيها الإنسان منذ طفولته في ظل منظومة شاملة من القمع تمارسها المدرسة إلى جانب العائلة بالتواطؤ مع رجال الدين، جعل المجتمعات تنتقل من موت إلى موت، في دوامة من العزلة والاغتراب الكلي، هو انتقال سلس وسريع من قضية لقضية ومن ألم إلى ألم، سلسلة من شخوص يجمعها البؤس و القناعة الجافة الصامتة، حيث ثمة ومضات درامية توحي بالشغف وكذلك تحاول معالجة ذلك في الفارق الطبقي وتلك الشعارات التي يحاول سليمان هنا التأقلم سريعاً في فهمها لنتأمل هنا ص43:  

                      .-سأنهي قراءة "رأس المال" اليوم 

يا ألطاف اﷲ... ماأجمل المبادئ الموحَّدة، عندما تعتنقها عائلة كاملة ومتجانسة لا تسودها صراعات وانقسامات فظيعة كعائلتنا المشتتة، المتآكلة تماماً.

ما أجمل الآنسة المبدئية

ما أجمل الأستاذ المبدئي 

ما أجمل العالم بلا جوع 

ما أجمل حزب الآنسة وهو يتوق إلى تحويل أناس الكرة الأرضية كلهم إلى  عائلة سعيدة ومُرفَّهَة. حيث لا فقر ولا صراع، لا ظالم ولا مظلوم. تردَّدت أمامي كلمات أخرى مثل "البروليتاريا" شرح لي الملاَّ معناها ضاحكاً: البرو هو ابن جارك محمد سيتي، أما "ليتاريا" فقصدهم أن برو الآن في إيتاليا   

:أما تفسير الملاَّ  لمعنى "الطبقة العاملة" فحيَّرني

                      ابحث عنها في المجهر وستراها- 

:أضاف الملاَّ  بحماس

                      بحثت كثيراً عن هذه المخلوقة التي  تسمى "الطبقة العاملة" ولازلت أحلم بالالتقاء بها لأشرب معها الكازوز 

يغرق لوحده في قهقهة بلهاء

دعوت اﷲ أن أكبر بسرعة لأتمكَّن من فك طلاسم وألغاز كتاب "رأس المال" فأناقشه مع الآنسة حتى تتأكد من أن تعبها لم يذهب سُدَى وأنني في شوق إلى معرفة كل شيء أكثر من بسكويتو نفسه، فما أن ألتقط من فمه عناوين الكتب حتى ألتهمها بنهم 

 "قرأت كثيراً ولم أفهم إلا القليل

إذ يخاطب الكاتب حليم يوسف تلك النفس الحالمة والمتقصية بما بداخلها، ليبرهن على إيقاع الحياة السارية في شخصية سليمان الطفل، الذي يحاول قدماً تحقيق ما عجز عنه الملاّ المحاط بغلالة سميكة من الخرافة من جراء التعصب والتشبث بحرفية النص دون فهم ما يعتريه من رموز وأفكار، ويخلص للتفاؤل في سلوكه مذهب التقصي والتنقيب اللاغي بطبيعة الحال للإتكال والدعابة الهازئة، ولعل الكاتب أراد من خلال هذا المحور أن يذهب بعيداً للنفاد بروية داخل الشخصية للتلمس نضجها المبكر، وسرعة انقيادها للمستقبل رغم تلك  العوائق الجمة التي تقف في طريق أفرادها، المحاصرين بأغلال الحياة    وطبيعة المجتمع وكذلك سلوك المؤسسة التربوية الماضية لإقصاء الطفولة عن حقها في الحياة الأفضل والمعرفة الموضوعية، في إشارة أن كل مظاهر البؤس والفاقة المتجسدة في رواية سوبارتو، هي بدورها النسيج العام للسلوك الاجتماعي الذي جبُل عليه عامة الناس في هذه البيئة المحاصرة بأغلال الذكورة وهيمنة السلطة المركزية على مفاصل المجتمع عبر مؤسساتها، وأحزابها الرافعة الشعارات البراقة، من خلال توظيفها لجوع الناس ووعودها الخلبية في إسعادهم وضمان رفاهيتهم ، حيث أن المجتمع في سوبارتو عاكس حتماً للوجود برمته بما يسوده من صراعات وتناقضات ، الوجود الجزئي في بعض علاته، نعم تبقى الرواية الواقعية عاكسة بسماتها وإيحاءاتها كل ما ينتجه المجتمع البشري من تصورات وسلوكيات، وأفكار، وكذلك تنتج لنا خليطاً من الأفكار التي من خلالها يمكن للنقد الأدبي أن يشتغل في حقله ليقارب ويقارن ويسعى لعقد أوجه ذكية من خلال إبداء الآراء على نحو سجال خارق في ميادين العلوم الإنسانية، فالصراع ما بين قوى الجهالة وقوى التنوير واضح المعالم في أتون ذلك التباين الحاصل ما بين الملاً وسليمان الطفل ، الذي يود أن يعلم وينقّب أكثر دون تهاون أو تخاذل أو تضييع وقت ، حيث يشير الكاتب إلى تلك الأحلام الوادعة والتي تستشرف المستقبل وتحاول تبصر الحقيقة أكثر بعيداً عن تكهنات وسخف الشيوخ، ودجلهم، وتلاعبهم بالكلمات والألفاظ دونما تفكر أو تأمل لمحتواها، حيث يمهد الحلم للمشروع البديل عن سلوك الارتهان واللهو العبثي واستسخاف العقل وروح الموضوعية الهادفة، ولاشيء يلغي الوداعة وشفافية الحلم بالرغم من محاولات الوأد المتكررة والتي تخوضها منظومة السلطة القمعية والأبوية الاجتماعية في جعل المجتمع يلفظ أنفاسه ويتهالك باستمرار، إزاء حالة الاضطراب التي يشهدها الأفراد، المتشردون منذ طفولتهم، إن في الشارع أو في المدرسة، أو على صعيد فساد السلطة السياسية والتنظيمية بصورة خاصة، حيث أن كل شيء محكوم بالطغيان، حيث الإله الطاغية والسلطة القامعة، والأب الذكوري ، تشاؤم هادف ويتجه نحو توصيف فاجعة الحدث، ومخلفاته التدميرية، ولا يقف الكاتب حول التجسيد، وإنما دس المواقف والأفكار بطرائق إيحائية تتناول نقد الأمراض المتعلقة في علاقة السلطة بالجماهير، وكذلك ليكشف عن التخلف السياسي العام على مستوى التنظيم والوعي الاجتماعي، ولاشك أن أفكار الرواية الواقعية تتجه إلى الفلسفة الاجتماعية وعبر طرائق حديثها وحواراتها المتعددة من خلال تقابلات الشخوص مع المكان والزمان أي الحقبة التاريخية والتي يشار لها من خلال الرموز  والإيحاءات هنا وهناك، لتعكس بطبيعة الحال التجارب الإنسانية الوليدة عن الحركة والتأمل والمعاناة في أتون الحياة التي تغص بالغرابة والتناقض، ولاسيما أن الرواية لا تغدو حديث المتلقي مالم تكن مشبعة بالمأساة ومكتظة بتصوير الأحزان والنهايات المؤسفة، وسوبارتو بطبيعتها كتلة درامية تتحدث عن الألم وطرائق مواجهتها ومرور أبطالها بظروف كئيبة تثير الشفقة  ، فبحسب  أرسطو  فإن "هيكل العمل التراجيدي لا ينبغي أن يكون بسيطاً بل معقداً وأن يمثل الحوادث التي تثير الخوف والشفقة"وعلى ذلك يتأسس الفضاء المكاني والزماني للرواية، من بيان حقيقة التفاعل اليقظ ما بين العناصر الوصفية والأبعاد والمرامي الحية من إقامتها والمتلخصة بالأفكار المراد طرحها وتجسيدها،فالحب بين سليمان وبلقيس يمثل التماسك الحميم فيما بينهما عبر رابطة المعاناة، ودفع الطاقة لتقديم الأفضل، رغم العوائق والمصاعب، وإبراز للحب الطبيعي المغلف بعواطف مثالية نقية تكشف عن الروابط الأزلية ما بين المرأة والرجل فبتصاعد وتيرة الألم تظهر مناجاة الرجل للمرأة في أشدها  لتمثل جمال النص، وكذلك متعة الإيغال للمضامين الجوهرية والإفادة منها حيث نتأمل هنا ص54: "كان قلبي مرمياً إلى جوار حائط بيتكم حينها، عندما سقطت على الأرض ، سقط هو من صدري راكضاً إليك، وضع فمه على أذنك اليسرى هامساً بكلمة قلتها لك قبل قليل، يومها اجتمعت حولك قطط الجيران ونساء الحارة وقلبي." حيث نرى هنا تلك الهالة اللغوية الشعرية محاولة أن تلامس الشغف الوجداني لعاطفة المتلقي، لتحاكي فيه إرادة القلب في التحرر من قيود العقل وسطوة المنطق في استعباده لعالم الوجدان الذي يأنس به المرء لسلوك المواجهة ضد ضراوة اليأس وخشونة الحياة،فالحب هو الموضوع الأكمل للرواية المضمخة بالويلات والمتاعب والمواقف المتعددة، وهي أيضاً تعريف لجودة الفكر في حضوره ليتماهى مع تلك العاطفة وليهيأ لها ركناً رحباً في تلابيب ذلك الغمار الهائج في حيوية الشباب وتقلباتها، ففيه لابد من الحديث عن لون الحياة، طبيعة البيئة، أنماط تفكيرها، عوائدها، وكذلك حجم العثرات التي تواجه الأبناء في مسيرتهم، وذلك يؤثر بل يلعب دوراً في تحديد مصائرهم، فالحب وحده لا   يكفي بل للواقع جلجلته وعصبيته ، فها هي الفتاة تفاجأ سليمان بسؤال طائش ص:55

لدي سؤال وحيد -

.تفضلي -

   هل أنت من حزب أبي ؟-

 لا وما دخل الأحزاب بالحب؟ -

.ومضت

 تماماً يقف القاسي في تناوله كمادة للحديث أمام رهبة المشاعر ولوعتها، كأن المرء على قدر مع التفاهة في كل مكان، حيث يصعب على الملتاع وجدانياً تصديق نفسه قائماً في أمكنة الخشونة حيث تسقط جميع الألوان ، وتتداعى صروح الحلم أمام قدر من السذاجة والأنانية البارزة الخادشة لكل مظاهر التواصل المنمة على قدر من الفكر والتوازن، وهنا يغص المشهد بالخيبة الباعثة على الكآبة وردة الفعل المتعبة، إذ يواصل سليمان البحث عن الحب في خياله غير آبه لما يلاقيه من عثرات ونكبات، تحاول أن تنال من هرم الحب ورحلة البحث عن الجوهر في القيم والمبادئ، دون الشعارات وبذخ الأوسمة، حيث أن معالجة السلوكيات هو في سبيل استنباط أفكار ورؤى تساعد على فهم الإنسان وعلله، أمام الوجود والآخر، فالإثارة الحسية مابين رشو وخالته وما بين هوفو والبيليا، لا تحتملان المقاربة والمقارنة ، عدا من أنهما وليدي بيئة مضطربة، تسودها حياة صاخبة، مبنية على الكبت والخوف من الحب والمطالبة به، فالشباب مكبل بالجهل والتقاليد والعداوات المترتبة عن عهود الغشاوة والاغتراب ، فلاشيء وقف بين الغريزة والمطالبة بممارستها، حيث باتت الفضيلة مجرد ظاهرة صوتية، وساد الحب والتدافع الغريزي الذي أثبت مهابة الرغبة أمام هاجس الفضيلة والعقاب، لنتأمل هنا ص65: "أوقفتني الأجساد العارية المثيرة وهي تدخل بعضها وتخرج بإثارة صعدت الدماء إلى وجهينا، أنا وخالتي، ارتفع لهاث الشاشة وأنين الوسائد تحتنا .سالت اللذة على جدران الغرفة، تسللت إلى أثوابنا...نزعت عن خالتي قميصها،نزعت عني قميصي.امتدت يدها إلى فتحة السروال.تهالكت بجسدها الناري على جسدي.تفعل بي ما تفعله نساء الفيديو برجالهن العراة وبالكلاب وبحمار الوحش الذي ربطته أربع نساء عاريات، ثم بدأن يوقظن ظله الطويل.تبادلن الأدوار في إدخاله، وخالتي تزداد شراسة، تدخلني في جسدها وتخرجني كسكين.وهي تعض رجلي وأصابعي ورقبتي، تغرز أظافرها في ظهري العاري، وأنا بين يديها المشويتين أصعد وأهبط ذاهلاً عن نقاط دمها المبعثرة على الشرشف وهي غافلة عن دمها والعالم ، متنقلة ببصرها بين الفيديو وبين جسدي العاري المباح."لعل الغاية في تجسيد العلاقة هنا هو التأكيد على وجود الغريزة الأسبق في الظهور من هالة المعايير المتعلقة بالفضيلة والخطيئة وما بينهما فرغم ذلك الطوق الأخلاقي المفروض على هذا المجتمع المضطرب بتقاليده وسلوكياته العنيفة، إلا أن ذلك لا يعتبر ذريعة لانسداد الجنس كمطلب يفرض وجوده في تلك الحياة ولو بأي طريقة متاحة، رغم التشدد والقمع الحاصل على كل صعيد، حيث لا يعني الإقصاء اللفظي للجنس ، إنعداماً له ولحقيقته التي تمارس ماوراء الكواليس، حيث أن العلائق التي قد تعتبر محرمة في العرف الديني والاجتماعي، وممقوتة الممارسة سلوكياً، تعد واقعاً وحقيقة، وهو ما أشار إليه الكاتب بخصوص علاقة اللواطة التي يذكرها سليمان في عرضه لبؤس طفولته، وكذلك في جنس المحارم المتجسد في علاقة رشو بخالته، وكذلك تلك العلاقة الجنسية المختلة بين هوفو والبيليا، حيث نتأمل الآن هذا المقطتف الذي يبين غرابة تلك العلاقة ص66:"تزوج هوفو من (البيليا) ، والبيليا هذه ليست امرأة بالطبع. قطعة حديدية دائرية مثقوبة. ما فعلته هذا لا يخطر على بال الجن. أدخل عضوه في الفتحة الدائرية الحديدية الصغيرة فتورم إثر هذا الاحتكاك. ظل الورم يتضخم وثقب البيليا يضيق حتى بلغ به الألم حد الصراخ، فالتمَّ عليه إخوته مستغربين، أسعفوه ، رفض الطبيب معالجته بحجة أنه طبيب بشري، أضاف:-ما فعلته هذا ليس فعلاً بشرياً..فك البيليا عن عضوه المتورم من اختصاص الحداد." فبعيداً عن سكاكين الفقهاء ومدعي الوعظ الأخلاقي، يبقى جديراً بالذكر أن الكاتب حليم يوسف أراد من عرض هذه الحوادث مقاصد تتجلى في تلك الغرابة المرافقة للفوضى والقسوة في تلك الحياة السائدة، والتي تغص بالحوادث والسلوكيات الاعتباطية، المتمخضة عن سلوك سادي مازوشي يبديه المجتمع تجاه أفراده، كما تفعل المنظومة الحاكمة في تواطؤها مع رجال الدين في التآمر على الحياة والأخلاق معاً، حيث تبدو سوبارتو للرائي على أنه تسلسل من الرموز تتخللها فجوات تتغطى بالكوميديا تارة وأخرى بالتراجيديا، إلا أنها نسق رمزي يأخذ صدقيته من الأحداث التي تمر في حياتنا، استناداً للتاريخ، وحقب المآسي، وكذلك فإن هذا الوضوح الصريح في عرض الحادث هو ما يجعل الرواية وسيلة إمتاع فنية تحاكي مستويات العقل والوجدان على نحو متكامل، وفي تباين مستوى الوعي ما بين الشخوص كلٌّ حسب دوره التمثيلي،  فإننا نجد اضطراباً نفسياً في بنية تلك الشخصيات وكذلك في ذاكرتها المبنية على تشرب الأحلام والأوهام وكذلك الصراعات الاجتماعية ناهيك عن الفساد السياسي والقمع الممنهج الممارس أبداً ،حيث يتم إضفاء مسحة الدعابة إلى جانب الألم لإثبات تلازمهما، وكذلك للتعريف بطبيعة الحياة، والحوادث التي تعترض الأفراد وتتحكم بمسار رغباتهم وطموحاتهم ، وليست الغرابة والمبالغة مذهباً فنياً بحتاً ، إنما توصيف للحدث وتشعباته ، حيث تّقدَّم التراجيديا بوصفها تجسيداً لطابع الصراع، ما بين

. القيم الطبيعية والتشويه الممارس

تأملات نقدية في سوبارتو لحليم يوسف
ريبر هبون*

ارتباط الكاتب بروح الوجودية المتشبثة بروح المسؤولية الاجتماعية جعل كل شيء يتعلق بالوصف والجنون في تجسيد الشخوص مرتبطاً بقضية أولية وهي الخلاص من الجور والقيود المتمخضة عنها.، حيث أقحم الكاتب الملهاة في عرض المأساة، على نحو يبعث على الدهشة والتساؤل، كونهما مثار تجلي في حياتنا، وواقع شعوبنا في ظل أنظمتها الاستبدادية الشمولية، وهي استنباط مغازي من وحي تجارب المجتمعات، ومعاناتها، وعلى نحو يحسن من رؤى الأفراد في مدى استيعابهم لحقيقة الواقع وضرورة تغييره، ولاشك أن الملهاة والمأساة هما وجها الحياة، على اختلاف بيئات المرء ونمط قناعات محيطه، وفي الرواية تتجسد الهيئة العامة للحياة بما تفصح عنه اللغة في مقدرتها على التوثيق والرصد، وإحداث تقابلات ورؤى في ميدان التوصيف والجلد الذاتي الكامن في دواخل الشخصيات الهاربة من شبح موتها اليومي والمتعدد الأوجه ، ففي ذلك تتجلى مكامن القوة الوجدانية في التأثير عبر اللغة، فلا تذهب الرواية مذهب المتعة المجانية، طالما مكبلة بمتانة بخيوط الأسى والخيبة، وعلى نحو متزامن ومواكب لحالة المتلقي التأملية، حيث تهتم الكوميديا في معالجة الظواهر النفسية للأشخاص، وتصويرهم بأسلوب يثير في النفس لواعج الحنين إلى المكان والزمان عند إثارة الوصف، وبهذا تنتصر الرواية الواقعية الغائصة في روح المجتمع، لترسل له رسائل تتضمن شكل الحياة بساطتها ومرارتها والأمل الكامن فيها، وهكذا تعمد اللغة بأساليبها الحيوية الخاصة في إتمام ذلك الحوار المهيج ما بين لغة الكاتب وخيال المتلقي، حيث تساعد الكوميديا إلى جانب التراجيديا في فهم سوبارتو، وما يرادفها من أماكن شبيهة بها في كل مكان من أنحاء الوجود، حيث تغدو الرواية للإنسان في كل زمان ومكان، ووسيلة تقويم وتغيير لكل الرواسب التي ماتزال تسكن داخل الإنسان نتيجة حوادث الزمن، حيث تعمد الرواية إلى تبيان الغاية والوسيلة المراد تحقيق الهدف من خلالها، وهو إشعار الإنسان بعظم ما يلاقيه من أهوال مضاعفة إبان مسيرته لتحقيق عالم أفضل، حيث تعطي الكوميديا التعبيرية دوراً للاشعور في أن يبرز ويتحدث من خلال سمات الملامح والحوار عن ما يتم الترويج له من قبل الكاتب، وما يبثه من إشعار بحقيقة الواقع التي تنعدم فيه خواص الرأفة والنزوع للمثالية، بينما تقوم الرواية بتحوير خيال الكاتب وذاتيته ، نحو محاولات متعددة الغرض منها تجسيد الواقع فنياً وتحقيق مطلب التأثير بالآخرين ونقل حصيلة تجاربهم بطرائق تهب المتعة والفائدة، وكذلك لتنقل الأفكار التي تحدث في داخل المرء وذهنه الرغبة في عقد السجالات الهامة والمثيرة والتي تشكل الغاية القصوى من أي عمل روائي على وجه الخصوص، حيث يسود اللا استقرار في ملامح الشخوص وأماكن تواجدهم، السارد يتحدث عن سحنات الناس، أفكارهم، تعلقهم بالخرافات، وتبعيتهم للمشايخ، مما نجد سطوة العجوز فلك النفسية على سليمان وعلى كل أفراد القرية لنرَ هنا ص40: " لمع نجم العجوز فلك تلك الفترة، ببثها لأخبار إضافية لا تعرفها الإذاعات أيضًاً، كانت تنال نصيبها من هدايا الأخبار القادمة من الجهات البعيدة. بدأت تهتم بهندامها. ما أذهل سليمان أنها لا تسمع الراديو ومع ذلك تعرف كل شيء.  ولأنه رآها مشرقة الوجه ذلك اليوم فقد تجرأ وسألها عن كوخها المغلق: 

-اسمع يا سلو... إياك أن تقترب من الكوخ. لا يوجد فيه غير الأفاعي والعقارب. حذِّر أصدقاءك الملاعين أيضًاً من التفكير بالاقتراب من باب الكوخ.  "

نجد نبرة القسوة إلى جانب إدخال الرهبة متجلية في قولها، فالهالة التي تحيط بالكوخ تحاول بث حقيقة التفكير لدى المجتمع، بالإضافة إلى صعوبة التحرر من الفكر الغيبي، الملازم لطبيعة الحياة وتفكير ونمط قناعات أهلها، حيث تتجلى السادية المفرطة التي تستخدمها العجوز بحنكة على مجتمع مازوشي اعتاد التألم إلى درجة الكبت والحرمان من حقه في الصراخ، فمتلازمة القسوة والكوميديا تمضيان على نسق واحد أحياناً لتنقلان لنا الروح النفسية للشخوص وما يحاول الكاتب الإشارة إليه هو أن طبيعة الفكر الجامد يتحلى بنمط من الخمول الذهني والإذعان لسلطة الأقوى المتسلح بالتأثير الديني والخرافي ، حيث أننا نستخلص من خلال هذه المتلازمة التي تجمع بين قسوة الخطاب السلطوي وكوميديا القهر الذي يمتهنه المجتمع بسذاجة وطبيعية لتعطيان لنا قدراً من الأفكار الفلسفية المفيدة عن طبيعة هذه المعاناة المقدرة على أن يحملها أفراد البيئة منذ طفولتهم على نحو القدر الذي جعل من سيزيف حاملاً للصخرة، فيما لا شك فيه أن الأسطورة متجلية في سوبارتو، بلقيس، سليمان، شخصيتان يعاد بثهما وصنعهما على هيئة محلية وهما مشتقتان من قصص دينية، ففي ذروة الفكاهة لابد من معرفة عمق المأساة المتجلية في خباياها، وهذا ما أراد الكاتب حليم يوسف من تبيانه وجلاءه، حيث الاغتصاب الذي عبر عنه  بطريقة تدعو للضحك والغضب في آن، إنها ثنائيات مضادة، لكنها تثير التساؤل، فالتعبير عن مراحل البؤس والمشقة التي يلاقيها الإنسان منذ طفولته في ظل منظومة شاملة من القمع تمارسها المدرسة إلى جانب العائلة بالتواطؤ مع رجال الدين، جعل المجتمعات تنتقل من موت إلى موت، في دوامة من العزلة والاغتراب الكلي، هو انتقال سلس وسريع من قضية لقضية ومن ألم إلى ألم، سلسلة من شخوص يجمعها البؤس و القناعة الجافة الصامتة، حيث ثمة ومضات درامية توحي بالشغف وكذلك تحاول معالجة ذلك في الفارق الطبقي وتلك الشعارات التي يحاول سليمان هنا التأقلم سريعاً في فهمها لنتأمل هنا ص43:  

                      .-سأنهي قراءة "رأس المال" اليوم 

يا ألطاف اﷲ... ماأجمل المبادئ الموحَّدة، عندما تعتنقها عائلة كاملة ومتجانسة لا تسودها صراعات وانقسامات فظيعة كعائلتنا المشتتة، المتآكلة تماماً.

ما أجمل الآنسة المبدئية

ما أجمل الأستاذ المبدئي 

ما أجمل العالم بلا جوع 

ما أجمل حزب الآنسة وهو يتوق إلى تحويل أناس الكرة الأرضية كلهم إلى  عائلة سعيدة ومُرفَّهَة. حيث لا فقر ولا صراع، لا ظالم ولا مظلوم. تردَّدت أمامي كلمات أخرى مثل "البروليتاريا" شرح لي الملاَّ معناها ضاحكاً: البرو هو ابن جارك محمد سيتي، أما "ليتاريا" فقصدهم أن برو الآن في إيتاليا   

:أما تفسير الملاَّ  لمعنى "الطبقة العاملة" فحيَّرني

                      ابحث عنها في المجهر وستراها- 

:أضاف الملاَّ  بحماس

                      بحثت كثيراً عن هذه المخلوقة التي  تسمى "الطبقة العاملة" ولازلت أحلم بالالتقاء بها لأشرب معها الكازوز 

يغرق لوحده في قهقهة بلهاء

دعوت اﷲ أن أكبر بسرعة لأتمكَّن من فك طلاسم وألغاز كتاب "رأس المال" فأناقشه مع الآنسة حتى تتأكد من أن تعبها لم يذهب سُدَى وأنني في شوق إلى معرفة كل شيء أكثر من بسكويتو نفسه، فما أن ألتقط من فمه عناوين الكتب حتى ألتهمها بنهم 

 "قرأت كثيراً ولم أفهم إلا القليل

إذ يخاطب الكاتب حليم يوسف تلك النفس الحالمة والمتقصية بما بداخلها، ليبرهن على إيقاع الحياة السارية في شخصية سليمان الطفل، الذي يحاول قدماً تحقيق ما عجز عنه الملاّ المحاط بغلالة سميكة من الخرافة من جراء التعصب والتشبث بحرفية النص دون فهم ما يعتريه من رموز وأفكار، ويخلص للتفاؤل في سلوكه مذهب التقصي والتنقيب اللاغي بطبيعة الحال للإتكال والدعابة الهازئة، ولعل الكاتب أراد من خلال هذا المحور أن يذهب بعيداً للنفاد بروية داخل الشخصية للتلمس نضجها المبكر، وسرعة انقيادها للمستقبل رغم تلك  العوائق الجمة التي تقف في طريق أفرادها، المحاصرين بأغلال الحياة    وطبيعة المجتمع وكذلك سلوك المؤسسة التربوية الماضية لإقصاء الطفولة عن حقها في الحياة الأفضل والمعرفة الموضوعية، في إشارة أن كل مظاهر البؤس والفاقة المتجسدة في رواية سوبارتو، هي بدورها النسيج العام للسلوك الاجتماعي الذي جبُل عليه عامة الناس في هذه البيئة المحاصرة بأغلال الذكورة وهيمنة السلطة المركزية على مفاصل المجتمع عبر مؤسساتها، وأحزابها الرافعة الشعارات البراقة، من خلال توظيفها لجوع الناس ووعودها الخلبية في إسعادهم وضمان رفاهيتهم ، حيث أن المجتمع في سوبارتو عاكس حتماً للوجود برمته بما يسوده من صراعات وتناقضات ، الوجود الجزئي في بعض علاته، نعم تبقى الرواية الواقعية عاكسة بسماتها وإيحاءاتها كل ما ينتجه المجتمع البشري من تصورات وسلوكيات، وأفكار، وكذلك تنتج لنا خليطاً من الأفكار التي من خلالها يمكن للنقد الأدبي أن يشتغل في حقله ليقارب ويقارن ويسعى لعقد أوجه ذكية من خلال إبداء الآراء على نحو سجال خارق في ميادين العلوم الإنسانية، فالصراع ما بين قوى الجهالة وقوى التنوير واضح المعالم في أتون ذلك التباين الحاصل ما بين الملاً وسليمان الطفل ، الذي يود أن يعلم وينقّب أكثر دون تهاون أو تخاذل أو تضييع وقت ، حيث يشير الكاتب إلى تلك الأحلام الوادعة والتي تستشرف المستقبل وتحاول تبصر الحقيقة أكثر بعيداً عن تكهنات وسخف الشيوخ، ودجلهم، وتلاعبهم بالكلمات والألفاظ دونما تفكر أو تأمل لمحتواها، حيث يمهد الحلم للمشروع البديل عن سلوك الارتهان واللهو العبثي واستسخاف العقل وروح الموضوعية الهادفة، ولاشيء يلغي الوداعة وشفافية الحلم بالرغم من محاولات الوأد المتكررة والتي تخوضها منظومة السلطة القمعية والأبوية الاجتماعية في جعل المجتمع يلفظ أنفاسه ويتهالك باستمرار، إزاء حالة الاضطراب التي يشهدها الأفراد، المتشردون منذ طفولتهم، إن في الشارع أو في المدرسة، أو على صعيد فساد السلطة السياسية والتنظيمية بصورة خاصة، حيث أن كل شيء محكوم بالطغيان، حيث الإله الطاغية والسلطة القامعة، والأب الذكوري ، تشاؤم هادف ويتجه نحو توصيف فاجعة الحدث، ومخلفاته التدميرية، ولا يقف الكاتب حول التجسيد، وإنما دس المواقف والأفكار بطرائق إيحائية تتناول نقد الأمراض المتعلقة في علاقة السلطة بالجماهير، وكذلك ليكشف عن التخلف السياسي العام على مستوى التنظيم والوعي الاجتماعي، ولاشك أن أفكار الرواية الواقعية تتجه إلى الفلسفة الاجتماعية وعبر طرائق حديثها وحواراتها المتعددة من خلال تقابلات الشخوص مع المكان والزمان أي الحقبة التاريخية والتي يشار لها من خلال الرموز  والإيحاءات هنا وهناك، لتعكس بطبيعة الحال التجارب الإنسانية الوليدة عن الحركة والتأمل والمعاناة في أتون الحياة التي تغص بالغرابة والتناقض، ولاسيما أن الرواية لا تغدو حديث المتلقي مالم تكن مشبعة بالمأساة ومكتظة بتصوير الأحزان والنهايات المؤسفة، وسوبارتو بطبيعتها كتلة درامية تتحدث عن الألم وطرائق مواجهتها ومرور أبطالها بظروف كئيبة تثير الشفقة  ، فبحسب  أرسطو  فإن "هيكل العمل التراجيدي لا ينبغي أن يكون بسيطاً بل معقداً وأن يمثل الحوادث التي تثير الخوف والشفقة"وعلى ذلك يتأسس الفضاء المكاني والزماني للرواية، من بيان حقيقة التفاعل اليقظ ما بين العناصر الوصفية والأبعاد والمرامي الحية من إقامتها والمتلخصة بالأفكار المراد طرحها وتجسيدها،فالحب بين سليمان وبلقيس يمثل التماسك الحميم فيما بينهما عبر رابطة المعاناة، ودفع الطاقة لتقديم الأفضل، رغم العوائق والمصاعب، وإبراز للحب الطبيعي المغلف بعواطف مثالية نقية تكشف عن الروابط الأزلية ما بين المرأة والرجل فبتصاعد وتيرة الألم تظهر مناجاة الرجل للمرأة في أشدها  لتمثل جمال النص، وكذلك متعة الإيغال للمضامين الجوهرية والإفادة منها حيث نتأمل هنا ص54: "كان قلبي مرمياً إلى جوار حائط بيتكم حينها، عندما سقطت على الأرض ، سقط هو من صدري راكضاً إليك، وضع فمه على أذنك اليسرى هامساً بكلمة قلتها لك قبل قليل، يومها اجتمعت حولك قطط الجيران ونساء الحارة وقلبي." حيث نرى هنا تلك الهالة اللغوية الشعرية محاولة أن تلامس الشغف الوجداني لعاطفة المتلقي، لتحاكي فيه إرادة القلب في التحرر من قيود العقل وسطوة المنطق في استعباده لعالم الوجدان الذي يأنس به المرء لسلوك المواجهة ضد ضراوة اليأس وخشونة الحياة،فالحب هو الموضوع الأكمل للرواية المضمخة بالويلات والمتاعب والمواقف المتعددة، وهي أيضاً تعريف لجودة الفكر في حضوره ليتماهى مع تلك العاطفة وليهيأ لها ركناً رحباً في تلابيب ذلك الغمار الهائج في حيوية الشباب وتقلباتها، ففيه لابد من الحديث عن لون الحياة، طبيعة البيئة، أنماط تفكيرها، عوائدها، وكذلك حجم العثرات التي تواجه الأبناء في مسيرتهم، وذلك يؤثر بل يلعب دوراً في تحديد مصائرهم، فالحب وحده لا   يكفي بل للواقع جلجلته وعصبيته ، فها هي الفتاة تفاجأ سليمان بسؤال طائش ص:55

لدي سؤال وحيد -

.تفضلي -

   هل أنت من حزب أبي ؟-

 لا وما دخل الأحزاب بالحب؟ -

.ومضت

 تماماً يقف القاسي في تناوله كمادة للحديث أمام رهبة المشاعر ولوعتها، كأن المرء على قدر مع التفاهة في كل مكان، حيث يصعب على الملتاع وجدانياً تصديق نفسه قائماً في أمكنة الخشونة حيث تسقط جميع الألوان ، وتتداعى صروح الحلم أمام قدر من السذاجة والأنانية البارزة الخادشة لكل مظاهر التواصل المنمة على قدر من الفكر والتوازن، وهنا يغص المشهد بالخيبة الباعثة على الكآبة وردة الفعل المتعبة، إذ يواصل سليمان البحث عن الحب في خياله غير آبه لما يلاقيه من عثرات ونكبات، تحاول أن تنال من هرم الحب ورحلة البحث عن الجوهر في القيم والمبادئ، دون الشعارات وبذخ الأوسمة، حيث أن معالجة السلوكيات هو في سبيل استنباط أفكار ورؤى تساعد على فهم الإنسان وعلله، أمام الوجود والآخر، فالإثارة الحسية مابين رشو وخالته وما بين هوفو والبيليا، لا تحتملان المقاربة والمقارنة ، عدا من أنهما وليدي بيئة مضطربة، تسودها حياة صاخبة، مبنية على الكبت والخوف من الحب والمطالبة به، فالشباب مكبل بالجهل والتقاليد والعداوات المترتبة عن عهود الغشاوة والاغتراب ، فلاشيء وقف بين الغريزة والمطالبة بممارستها، حيث باتت الفضيلة مجرد ظاهرة صوتية، وساد الحب والتدافع الغريزي الذي أثبت مهابة الرغبة أمام هاجس الفضيلة والعقاب، لنتأمل هنا ص65: "أوقفتني الأجساد العارية المثيرة وهي تدخل بعضها وتخرج بإثارة صعدت الدماء إلى وجهينا، أنا وخالتي، ارتفع لهاث الشاشة وأنين الوسائد تحتنا .سالت اللذة على جدران الغرفة، تسللت إلى أثوابنا...نزعت عن خالتي قميصها،نزعت عني قميصي.امتدت يدها إلى فتحة السروال.تهالكت بجسدها الناري على جسدي.تفعل بي ما تفعله نساء الفيديو برجالهن العراة وبالكلاب وبحمار الوحش الذي ربطته أربع نساء عاريات، ثم بدأن يوقظن ظله الطويل.تبادلن الأدوار في إدخاله، وخالتي تزداد شراسة، تدخلني في جسدها وتخرجني كسكين.وهي تعض رجلي وأصابعي ورقبتي، تغرز أظافرها في ظهري العاري، وأنا بين يديها المشويتين أصعد وأهبط ذاهلاً عن نقاط دمها المبعثرة على الشرشف وهي غافلة عن دمها والعالم ، متنقلة ببصرها بين الفيديو وبين جسدي العاري المباح."لعل الغاية في تجسيد العلاقة هنا هو التأكيد على وجود الغريزة الأسبق في الظهور من هالة المعايير المتعلقة بالفضيلة والخطيئة وما بينهما فرغم ذلك الطوق الأخلاقي المفروض على هذا المجتمع المضطرب بتقاليده وسلوكياته العنيفة، إلا أن ذلك لا يعتبر ذريعة لانسداد الجنس كمطلب يفرض وجوده في تلك الحياة ولو بأي طريقة متاحة، رغم التشدد والقمع الحاصل على كل صعيد، حيث لا يعني الإقصاء اللفظي للجنس ، إنعداماً له ولحقيقته التي تمارس ماوراء الكواليس، حيث أن العلائق التي قد تعتبر محرمة في العرف الديني والاجتماعي، وممقوتة الممارسة سلوكياً، تعد واقعاً وحقيقة، وهو ما أشار إليه الكاتب بخصوص علاقة اللواطة التي يذكرها سليمان في عرضه لبؤس طفولته، وكذلك في جنس المحارم المتجسد في علاقة رشو بخالته، وكذلك تلك العلاقة الجنسية المختلة بين هوفو والبيليا، حيث نتأمل الآن هذا المقطتف الذي يبين غرابة تلك العلاقة ص66:"تزوج هوفو من (البيليا) ، والبيليا هذه ليست امرأة بالطبع. قطعة حديدية دائرية مثقوبة. ما فعلته هذا لا يخطر على بال الجن. أدخل عضوه في الفتحة الدائرية الحديدية الصغيرة فتورم إثر هذا الاحتكاك. ظل الورم يتضخم وثقب البيليا يضيق حتى بلغ به الألم حد الصراخ، فالتمَّ عليه إخوته مستغربين، أسعفوه ، رفض الطبيب معالجته بحجة أنه طبيب بشري، أضاف:-ما فعلته هذا ليس فعلاً بشرياً..فك البيليا عن عضوه المتورم من اختصاص الحداد." فبعيداً عن سكاكين الفقهاء ومدعي الوعظ الأخلاقي، يبقى جديراً بالذكر أن الكاتب حليم يوسف أراد من عرض هذه الحوادث مقاصد تتجلى في تلك الغرابة المرافقة للفوضى والقسوة في تلك الحياة السائدة، والتي تغص بالحوادث والسلوكيات الاعتباطية، المتمخضة عن سلوك سادي مازوشي يبديه المجتمع تجاه أفراده، كما تفعل المنظومة الحاكمة في تواطؤها مع رجال الدين في التآمر على الحياة والأخلاق معاً، حيث تبدو سوبارتو للرائي على أنه تسلسل من الرموز تتخللها فجوات تتغطى بالكوميديا تارة وأخرى بالتراجيديا، إلا أنها نسق رمزي يأخذ صدقيته من الأحداث التي تمر في حياتنا، استناداً للتاريخ، وحقب المآسي، وكذلك فإن هذا الوضوح الصريح في عرض الحادث هو ما يجعل الرواية وسيلة إمتاع فنية تحاكي مستويات العقل والوجدان على نحو متكامل، وفي تباين مستوى الوعي ما بين الشخوص كلٌّ حسب دوره التمثيلي،  فإننا نجد اضطراباً نفسياً في بنية تلك الشخصيات وكذلك في ذاكرتها المبنية على تشرب الأحلام والأوهام وكذلك الصراعات الاجتماعية ناهيك عن الفساد السياسي والقمع الممنهج الممارس أبداً ،حيث يتم إضفاء مسحة الدعابة إلى جانب الألم لإثبات تلازمهما، وكذلك للتعريف بطبيعة الحياة، والحوادث التي تعترض الأفراد وتتحكم بمسار رغباتهم وطموحاتهم ، وليست الغرابة والمبالغة مذهباً فنياً بحتاً ، إنما توصيف للحدث وتشعباته ، حيث تّقدَّم التراجيديا بوصفها تجسيداً لطابع الصراع، ما بين

. القيم الطبيعية والتشويه الممارس

من أجل عالمٍ متوازنٍ وسليمٍ وأجمل- صفحة المهى - بقلم شذى توما مرقوس

الخميس, 03 آب/أغسطس 2017 00:00 تم النشر من قبل

( سلسلة صفحة المهى لأخبار الشأن الحيواني وعالم الطب البيطري  / 1 )

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بقلم شذى توما مرقوس

الأثنين 28 / 9 / 2015 م  ــ الخميس 20 / 7 / 2017 م .

( التنوع الحياتي هو أجمل ما يتميز به كوكبنا الأرض  ، تصوروا كوكباً ليس فيه سوى الإنسان كنموذج للحياة ؟ ما هو شعوركم ؟ )

هُناك عددٌ لا يُحصى من البشر والجمعيات والمؤسسات التي تهتم بأمور الإنسان وأحواله موزعة على امتداد مساحة الكرة الأرضية بالإضافة إلى كون الشخص نفسه قادراً على الانتفاض لحاله ، في مقابل ذلك لا يوجد العدد الكافي منها للاهتمام بأمور الكائنات الأخرى ، الحاجة إلى مثل هذهِ الاهتمامات ضرورية لأن الحيوانات لاتستطيع التعبير عن قضاياها باللغة التي يفهمها الإنسان ( لغته ) ، وإنما تعبر عنها بلغتها التي لا يفهمها كل البشر إلا النسبة أو لا تهمه في حال لينتفض لأجلها .

نحن بعازةٍ إلى عالم متوازن لا تنوء الكفة فيه بطرف واحد هو الإنسان ، ولهذا فالحاجة إلى الإهتمام بالكائنات الأخرى التي تقاسمنا الكوكب ضرورة ملحة لحفظ التنوع الحياتي على هذا الكوكب ، هذا التنوع الحياتي هو من أجمل ما يتميز به الكوكب ، تصوروا كوكباً ليس فيه سوى الإنسان كنموذج للحياة ؟ ما هو شعوركم ؟

قبل عدة سنوات كان الفرد منا يخرج للشارع ليقابل أعداداً من الطيور المختلفة المتنوعة تفرش جناحيها في السماء ، كانت القطط والكلاب والحشرات بأختلافها جيران البشر ، كان صياح الديكة فجراً يعلن قدوم الصباح ، كانت قطعان الماشية من الأغنام والماعز والبقر والجاموس .... وإلخ من الممكن مشاهدتها ، وكذلك حيوانات الفصيلة الخيلية من خيول ، حمير ، بغال ، .... إلخ ، ما الذي حدث الآن ، صار أغلبنا لايراها إلا في الصور ، أو في حدائق الحيوان ، أنا لا أسجل ذلك لصالح الإنسان وإنما أراه تراجعاً كبيراً للإنسان في تضامنه مع الطبيعة ، وفي تصالحه معها ، لقد سلخ نفسه عنها وأصبح وحيداً ، ووحيداً جداً .....

من الضروري أن يعيد الإنسان اتحاده بالطبيعة ويتعلم كيف يعيش مع الكائنات الأخرى دون إلحاق الأضرار والأذى بها ، فيتعلم من خلال ذلك السلام مع نفسه ومع العالم المحيط به ، والمحصلة هي السلام على هذا الكوكب .

صفحة الـ " مهى " هي صفحة تستفيد من الكتابة كوسيلة لايصال قضاياها للمتلقي ، ستكون على شكل حلقات متسلسلة والتي تُعنى بشكل خاص بنشر الأخبار عن الممارسات الإنسانية الخاطئة تجاه الحيوانات وسوء التعامل معها والتعدي على حقوقها وسلبها ، المترجمة منها وغيرها في هذا الشأن ، إضافة إلى كل المواضيع الأخرى التي تدخل ضمن نطاق الشأن الحيواني ومتعلقاته ، وأيضاً تلك المبادرات الجميلة النبيلة من بعض الأشخاص في مجال حماية الحيوان ورعايته  ....... وإلخ ، وما يخص عالم الطب البيطري .  


تهدف هذهِ الصفحة المُحرَّرَة إلى تنبيه الضمير الإنساني على كل الاعتداءات التي تقع تحت مُسمى حقوق الإنسان في العيش والسماح له بإنهاء حياة الحيوانات وذبحها ، أو حبسها في أقفاص ، أو جعلها قطعة لحم في صحنه على الغداء أو العشاء ، أو استخدامها لتجاربه لملاحظة آثار ما يستخدمه من أدوية ومواد كيمائية ومواد تجميل أو تنظيف ....... إلخ عليها ، قبل أن تصل إليه كمنتجات مستخدمة حفاظاً على صحته وعلى حساب صحة الحيوانات وحياتها ، وكذلك تكثير الحيوانات لغاياته المختلفة  فقط دون النظر لما يكون عليه الحال من تأثير على حياة الحيوانات نفسها مثال على ذلك : حقول الدواجن ، انتاج الأغنام أو الأبقار أو الخنازير في الحقول لغرض ذبحها ، إنتاج الخيول وتكثيرها لأجل السباقات .... وإلخ ، مصارعة الثيران ، استخدام الحيوانات في عروض السيرك بطريقة لا تراعي شأن الحيوان ، صراع الديكة ، وكل أنواع الاعتداءات الأخرى التي لا تُعد ولا تُحصى ، والتي يقترفها الإنسان بوعي وبدون وعي بحق الكائنات الأخرى التي تقاسمه الكوكب وبشكل خاص الحيوانات .

أيضاً بغية الترتيب والتقسيم والتنظيم للأعمال المنجزة يكون مفيداً تحرير مثل هذهِ الصفحة ، حيث إن الأخبار تحتاج إلى منفذ لإعلانها ، كالتعريف بالانتهاكات التي تتعرض إليها الحيوانات من قبل الإنسان والاعتداء على حقوقها في العيش ، وقد يستهزأ البعض بالفكرة كونها تخص الاهتمام بالحيوان وليس الإنسان لأن الإنسان في نظرهم هو الأعلى والأهم ، أقول لهؤلاء : هناك عدد لا يحصى من المنظمات والمؤسسات التي تهتم بأمور الإنسان ، قياساً بعددها من المهتمة بالشأن الحيواني والتي هي أقل بكثير ، ثم إن لكل إنسان مجال اهتمامه وعمله ، وهذهِ الاهتمامات والأعمال متنوعة ومختلفة .

ولقد أخترت لهذهِ الصفحة إسم الحلوة " مهى " كي تكون لسان حال أبناء وبنات جلدتها ، كما بقية عالمها الحيواني من أشكال الحياة الأخرى .

إليكم أحد الأخبار ، ، أنشره الآن كلمحة من لمحات الممارسات الإنسانية الخاطئة بحق الحيوانات ، وهو خبر قديم كنتُ في حين إعلانه إعلامياً  قد قمتُ بترجمته لكن لم تتح لي الفرصة لنشره في ذاك الآوان مع الأسف ، أدرجه هنا للاطلاع عليه .

الكلبة كاثلين

ـــــــــــــــــــــــ

حالَة تَعْذِيب لِلحَيَوان في الولايات المُتَحِّدَة الأَمْرِيكيَّة

لِيَوْمين ظَلَّ خَطْم الكلْبَة كاثلين مُكمَّماً بِشَرِيطٍ لاصِق

الكاتِب / ديرك سيندرمان

تَرْجمَة / شذى توما مرقوس

الأَحْد 21 ــ 6 ــ 2015

( مُتَرْجَم عِنْ الأَلْمانِيَّة )

المَوْضُوع /

جَمْعِيَّة تشارلستون لِرِعايَةِ الحيْوان

تشارلستون ــ شمال كارولاينا

بِسَبَبِ تَعْذِيبه القَاسِي لِلحيَوان امْتَثَلَ وليام دودسن أَمامَ القَضَاء ، حَيْثُ إِنَّهُ قَامَ بِتَكْميمِ خَطْمِ  كَلْبَتِهِ  ( كاثلين ) بِشَرِيط ٍ عازِلٍ لاصِق والأَسْوأ إِنَّ لِسَان الكلْبَة كاثلين كانَ عالِقَاً ( مَحْصُورَاً ) بَيْنَ أَسْنَانِها .

تَمَّ العُثُور على الحَيَوان المَسْكين بَعْدَ يَوْمين مِنْ تَرْكِهِ وحِيداً في المَنْزِل مُحْكم الخَطْم .

حالِيَّاً الكلْبَة كاثلين البَالِغَة مِنْ العُمْر 15 شَهْراً ، وهي مِنْ فَصِيلَة البتْبول حالَتَها تَحسَّنَتْ بَعْض الشَيْء ، حَيْثُ قَالَ مُتَحدِث عَن العِيادَة البَيْطَرِيَّة بِأَنَّ كاثلين ستَتَجاوزُ المِحْنَة .

ولكِنَّ الأَطِبَّاء البَيْطَرِيين يُخَمِّنُون إِنَّ جِزْءاً مِنْ لِسَانِها يَجِبُ بَتْرِهِ ، حَيْثُ إِنَّ اللِسَان جَفَّ تَقْرِيباً بِشَكْلٍ كامِل بِسَبَبِ السَاعاتِ الطَويلَة الَّتِي ظَلَّ عالِقَاً فيها خَارِجاً عَنْ فَمِها وبَيْنَ أَسْنَانها .

ثُمَّ أَكْمَلَ المُتَحدِث عَن العِيادَة البَيْطَرِيَّة  قائلاً:

علَيْنا الأَنْتِظار أَولاً إِلى أَنْ تَسْتَقِّر الحَالَة الصِحِيَّة لِكاثلين حَتَّى يَكُون بِإِمْكانِنا فَحْص اللِسَان فَحْصاً دَقِيقاً .

وليام دودسن البَالِغ مِنْ العُمْرِ 41 عَاماً والَّذِي قَامَ بِتَعْذِيب الحيَوانِ بِهذا الشَكْل القَاسِي حالِيَّاً مَوْقُوف في السِجْن لإِجْراءِ التَحْقِيق وتَنْتَظِرَهُ عُقُوبَة السِجْن حَتَّى خَمْسُ سَنَوات .

السَيَّدة الَّتِي قَامَتْ بِبَيْعِ كاثلين لِوليم قَبْلَ بِضْعَةِ أَسابِيع بِمَبْلَغِ عِشْرِين دولار صَرَّحَتْ لِلشُرْطَة بِأَنَّ وليم قَدْ سَبَقَ وإِنْ سُجِنَ بِسَبَبِ تَنَاولِهِ المُخَدَّرات وإِنَّهُ قَدْ أَخْبَرها في مُكالَمَةٍ هاتفِيَّة مَعَها وهو يُقَهْقِهُ عالِياً إِنَّ عَوَاء كاثلين يُثِيرُ أَعْصًابَهُ ويُغْضِبَهُ .

Pitbull-Hündin Caitlyn wurde von ihrem Besitzer gequält: Zwei Tage lang band er ihr die Schnauze mit Klebeband zu, weil ihn ihr Gebell gestört hatte.

رابِط المَصْدَر :

                                                                           

http://www.berliner-kurier.de/panorama/tierquaelerei-in-den-usa-zwei-tage-lang-wurde-caitlyn-die-schnauze-mit-klebeband-zugebunden,7169224,30858258.html

//////////////////////////////

نَصّ /  مقتل كلب

الكاتب : سي . هيلتي

( النَصّ ورد في الصفحة 158 ــ 159 من الكتاب ) .

ترجمة : شذى توما مرقوس

الخميس 18 / 5 / 2017 م ــ السبت 27 / 5 / 2017 م .

ــ مُترجم عن الالمانية ــ

هذهِ الصفحة مُهداة إلى أفضل أصدقاء البشر  ــ  الكلاب ــ ، ولكل الذين يحبون الحيوانات ، وأيضاً للآخرين ممن ينعتون الكلب بـ  [  البراز ( روث ) ] .

( الإنسان الذي لا يستطيع أن يحب الأطفال ولا الكلاب ، لا يمكنك الوثوق به ) .

ــ سي . هيلتي ــ

خجلٌ لا يوصف اعترى المتهم المشاغب والمحب لِلعراك في نيويورك وكان قد أطلق النار على كلب جاره .

في قاعة المحكمة أدلى صاحب الكلب بحديث بسيط ودون  سفسطة ، لكن تأثيره على هذا المشاغب الذي لم يكن يشعر بالندم لما اقترفه بحق الكلب  يدعو للدهشة ، حيث أُسْقِطتْ من يده الحجة للدفاع عن نفسه ، فصاح بصوت كسير :

ــ سيدي القاضي ، عاقبني بأشد العقوبة .

والناس الجالسين في صالة المحكمة يصغون بدقة  .

في الأعلى قليلاً ، وتحت راية نجوم العلم ( العلم الأمريكي ) كان يجلس القضاة وفي ظنهم إنهم  أمام قضية سهلة وغير معقدة .

هم أيضاً كان يبدو عليهم التأمل والتأثر ، وكانوا ينقلون نظراتهم بين المتهم و صاحب الكلب الذي قال :

ـــ [  لا يوجد في هذا العالم شيء مؤكد ، فمن الممكن أن تتركك زوجتك ، وأطفالك قد لا يقدرون حجم التضحيات التي قمت بها لأجلهم ويتنكرون لها ، وأخلص أصدقائك الذين وثقت بهم سنين طويلة هؤلاء أيضاً يمكن أن يخدعوك يوماً ما .

قد تفقد كل ممتلكاتك ، سمعتك ، احترامك ، هيبتك  وتضيع كلها في هباء ، حتى الذين ركعوا أمامك ، قد يكونوا أول من يرمونك بالحجر عندما تنقطع حاجتهم إليك .

الصديق الوحيد الذي لا يستغلك في هذا العالم  الغارق في حب الذات والمُقيد  بأنانيته ، هو كلبك .

في أفقر كوخ هو سعيد معك كما في أفخم قصر ، هو لا يرغب غير أن يكون معك  ، هو الوحيد الذي لا يخدعك  .

إن كنت متسولاً فهو يرعاك ، ويحميك ،  ويقدرك ، ويُعاملك كأمير متوج .

عندما يطردونك من بيتك وأرضك ، عندما الجميع ، الكل ، يتركونك ، فقط كلبك ، أبداً لن يتركك .

عندما تغدو بلا سقف تحتمي به وتضطر للنوم في العراء ، فالمكافأة الوحيدة التي يطلبها منك هي أن يكون إلى جانبك ، حتى إن مُتَ جوعاً ، يبقى هو مُخلصاً لك ويجوع معك ، ويُقبِّل ويلحسُ اليد التي تمدها إليه خالية فارغة من طعام يسد به جوعه .

إن وقعت ميتاً فجأة لا يحيدُ عنك ، وحتى يتخلى عنك عليهم أن يقتلوه ، وعندما توارى الثرى وهو يعرف مكان رقودك تجده هناك ، ينبش ويحفر وكأنه يريد أن يعيدك للحياة ويخرجك من قبرك ، هو يضع رأسه بين قدميه ويحزن لأجلك ، إنه أفضل صديق لك ، إنه كلبك ] .

الكلمات الأخيرة لصاحب الكلب جاءت متقطعة فوق شفتيه ، خيم في قاعة المحكمة الهدوء التام كما في قداس إلهي ، هيئة المحكمة التزمت الصمت ، المتهم كان ينظر للأرض بخجل ، هذهِ الكلمات المؤثرة الغير المألوفة التي قالها صاحب الكلب هزته في الأعماق .

ــ سيدي القاضي ، عاقبني بأشد العقوبة .

هذهِ هي الجملة الوحيدة التي نطق بها .

هذهِ المرافعة جعلت من المحاكمة درساً يجب التفكير والتأمل فيه ، أما الحُكم فكان له معنىً رمزياً فقط .

المصدر /

كِتاب : من أجمل الاقتباسات والحِكم في العالم .

للكاتب : ڨيلي أپڨل .

مطبعة : كابيتول اي كا ــ  في مدينة ڨاين هايم .

اللغة : الألمانية .

عدد الصفحات : 489 صفحة .

Die Schönsten Zitat und Weisheiten der Welt

Willi Apfel – Autor

Capitol Verlag EK Weinheim

Sprache : Deutsch

489 Seiten .

ملاحظة للقارئات الكريمات والقراء الكرام : لم أجد لهذا النص عنواناً ، فهو أقرب للتقرير ( تقريرعن سير محاكمة في قضية مقتل كلب في قاعة المحكمة )  منه إلى القصة ، فقمتُ أنا بوضع عنوانٍ له : ( مقتل كلب ) . 

المبدعة الفلسطينية أنوار الأنوار - شاكر فريد حسن

الإثنين, 31 تموز/يوليو 2017 00:00 تم النشر من قبل

أنوار الأنوار المعروفة بأنوار أيوب سرحان ، ابنة نحف الجليلية ، هي واحدة من الأصوات الأدبية التي تألقت على الساحة الادبية بكتاباتها الابداعية الراقية ، وقد نجحت في اختراق القلوب بنصوصهاالنثرية المتميزة بجمالها الفني واسلوبها الخاص .

أنوار الأنوار مبدعة متأنقة بجراحها ، متألقة بالهموم الوطنية والقومية والانسانية التي تراودها ، وهي الأمينة العامة لانحاد الكتاب الفلسطينين في دورته الأولى ، منبرية في مهرجانات الأدب ، كأنها فارسة من فارسات الصولات القديمة التي كان فيها فحول الأدب يتنازلون فيها، خائضين معارك القلم والكلمات الفاعلة ، قبل الخوض حضاريا في معارك الكتب والايديولجيات .

وفي جيل مبكر اطلقت أنوار الأنوار سهام النثر والابداع من جعبة واحدة ، الأرض ، والهوية ، القلب العربي ، المنكسر الوجدان ، المقاوم  ، الممانع ، والباحث عن ولادة جديدة.

تتقدم من العام الى الخاص، ومن حدودالقضايا العربية القومية الى لب القضية الوطنية ، والمسألة النسوية بابعادها الفكرية ، معلنة رغبتها في اغاثة المظلوم والمقهور ، وفي الانتماء للفكر الثوري المتنور والمقاوم ، بالاجساد والاشجار والحجارة ، والأيمان المقدس بالتضحية.

وكتاب أنوار الأنوار الموسوم " في حضن التوت -رسائل خانها البريد "الصادر عن دار الجندي في القدس ، هو نصوص نثرية على شكل رسائل ، تدور حول محاور متنوعة ، سؤال الموت والحياة، الدين ، الحب ، في نصوص ابداعية تحطم تابوهات  عديدة.

ان صدرها يتمزق ، والكلمات تجري ، تتراكض ، تتزاحم ، لتسطر الحلم .

أنوار الأنوار تجربة أدبية فريدة من نوعها ، وذلك بخروجها من القمقم وغابة الهدوء، الى عواصف الكتابة والسياسة ، والأروع ، انها رغم الانتكاسات والاحباطات ،اصرارهاعلى الكتابة في الاتجاه نفسه، وتماديها في جعله اتجاهاً عالياً ، متعالياً، ولا تأخذه سنة الأفاق من رؤيا الأعماق.

انها هائمة في محبرة الكتابة،تحمل فكراً ورسالة نبوءة ، وتجعل الجمر الغافي يتوهج مجدداً تحت الرماد ، وتصنع من الأغاني الحزينة شلالاً من النصوص النثرية ، ولحناً أبدياً جميلاً في مملكة الابداعوالتجلي .

ظواهر سلبيّة في مسيرة الشّعراء(4)- الشّعراء الملحدين والقرآنيّين- فراس حج محمد

الجمعة, 28 تموز/يوليو 2017 00:00 تم النشر من قبل

في لقاء جمعني مع الشّاعرة فدوى طوقان قبل أكثر من عشرين عاما، يوم كنت طالبا في الدّراسات العليا، وكنّا يومئذ نُعدّ لحوار مع الشّاعرة أنا وزميلان لي، ونشر لاحقا في مجلّة "نوافذ" (توقّفت عن الصّدور)، سألناها عن رأيها في الدّين، فقالت: لم يقنعني، أو بهذا المعنى، ولم تزد على جملة واحدة، ومع أنّ الشّاعرة طوقان لها قصيدة "أمام الباب المغلق" وقد يحلو للبعض تفسيرها، وإخراج الشّاعرة على أنّها ملحدة، إلّا أنّها لم تكن تجاهر بعدائها للدّين أو نصوصه، أو حتّى تسخر كما يفعل هؤلاء من بعض تلك النّصوص الّتي لا تراها في نظرها "منطقيّة"، كانت مقتنعة تمام القناعة بقول الشّاعر:

مالي وللنّاسِ، كمْ يَلْحَوْنَني سَفَهاً
 

دِيني لنفْسي ودينُ النّاسِ للنّاس
  

وعلى الرّغم من أنّ مسألة الدّين ونصوصه مشكلة كبرى في عقول المثقّفين، وخاصّة الشّعراء، وتذكّر بظاهرة الشّعراء الزّنادقة، ممّن يظنّون سفها أنّ باستطاعتهم الحكم على النّصوص ومسائلها، ذلك العلم الّذي أنفق فيه العلماء الأفذاذ أقصى الجهد والطّاقة، وكانوا حريصين على صدق النّصّ وصحته، وأنّه قد ورد عن الرّسول صلّى الله عليه وسلم إلّا أنّهم يجتهدون خطأ بل سفها في الحكم على النّصوص وموضوعاتها الغيبيّة، فيعتقدون أنّ من حقّهم الحكم على تلك النّصوص وردّها، وهم جهلة في كثير من العلوم الّتي تؤهّلهم للحكم، وهذا باب واسع، وله أصوله المعتبرة، بل يمتدّ بهم الغباء ليسخروا ممّن يعارضهم، فيصفونه بالشّيخ، تقليلا من شأنه واحتقاره.

يتّكئ هؤلاء الشّعراء الّذين لم يحصّلوا علما صحيحا، ولا رأيا عقليّا سليما، ولا يمتلكون طريقة قويمة للتّفكير، على أنّ هذه النّصوص، وخاصّة الحديث الشّريف لم يرد عن الرّسول عليه السّلام، وأنّ الطّريقة الّتي وصل فيها طريقة تجعلهم يشكّكون في ذلك، بناء على تعدّد الرّوايات، مع أنّ تعدّد الرّوايات للحديث الواحد، كما يقول محمد عابد الجابري دليل صحّة ووجود، وليس دليل تكذيب ونفي: "والمصادر الإسلاميّة مادّتها الأساسيّة هي الرّوايات. وهي، في جملتها، يطبعها الاختلاف إلى حدّ التّناقض أحيانا. ومع أنّ اختلافها قد يدفع بعض الباحثين إلى الشّكّ في صحّة ما ترويه، كلّا أو بعضا، فإنّنا نرى، بالعكس من ذلك، أنّ هذه الاختلافات دليل صحّتها ككلّ. فالاختلافات هنا كاختلاف شهادات أناس حضروا حادثة سيّارة أو سمعوا ممّن حضرها. وبما أنّ المفروض – بل هذا هو الواقع فعلا- أنّ أيّا منهم لم يكن قد كلّف نفسه بتسجيل وقائع الحادثة كتابة على ورق – كما يفعل المحقّقون من رجال الشّرطة- وإنّما يصفون، كلّ من زاويته الخاصّة، جزءا أو أجزاء حيّة من المشهد، بوصفه حادثة إنسانيّة يكتنفها ما يرافق الحوادث الإنسانيّة عادة" ويقرّر الجابري بعد هذا الشّرح المسهب أنّ "تعدّدها دليل على صدق ما ترويه، لا كأجزاء وتفاصيل، بل كحدث أو حادثة. ذلك أنّ الخبر الموضوع، الكاذب، المختلق، لا يكون في الوقت نفسه، متعدّدا" (مدخل إلى القرآن الكريم، ج1، ص25).

إن الشّعراء الملحدين السّاخرين من الدّين ونصوصه، وهم كثر، يدّعون المعرفة، ويرون أنّ لهم حقّ الاختلاف، والنّظر في هذه المسائل ورفضها، والتّشكيك فيها، وهم معدومو الأسس والعلوم والبيّنات، والطّريقة السّليمة للبحث، وإنّما هي "موضة" وسنّة متّبعة لديهم، لرفض الدّين جملة وتفصيلا وأنّه لا يقنعهم، هكذا دون نقاش علميّ موضوعيّ، أو ربّما يريدون التّفلّت من النّصوص، ليظهروا بمظهر المتمرّد، الثّائر، النّاقم على ما يسموّنه التّراث والماضويّة العقليّة والتّخلّف، لينتهوا إلى كائنات عديمة التّفكير، لم تحصّل علما ولا تفكيرا سليما.

إن جزءا من هؤلاء الشّعراء، ومعهم غيرهم من المثقّفين، أو مدّعي الثّقافة، لا يؤمنون، كما يقولون إلا بما جاء به القرآن الكريم، مع أنّ القرآن الكريم يدعوهم إلى الإيمان بقول الحديث الشّريف، ولكنّهم لأنّهم لا يعلمون، ولم يقرأوا القرآن الكريم، ولم يتدبّروه، يقعون في مثل هذه التّناقضات العجيبة، عدا أنّهم يطلقون العنان لشياطينهم ليفسّروا النّصّ القرآنيّ بما لا يقوله، ولا يقبله منطق القرآن نفسه، وكأنّهم لم يقرأوا "فاسألوا أهل الذّكر إن كنتم لا تعلمون"، إنّهم جمهرة من الأدعياء المتطفّلين على النّصّ المقدّس، يفرّغونه من جماليّة المعنى وسموّ الأفكار، كأنّه لا يكفيهم تطفّلهم على الشّعر، بل لا بدّ من الزّركشة الإلحاديّة، فالموضة الرّائجة هي الشّكّ والإلحاد، وادّعاء التّفكير الحرّ المتحرّر!

إنّ هؤلاء الشّعراء بالمجمل متناقضون أيضا من باب آخر، في حين أنّهم يسلّمون بنظريّات أقدم من الحديث والقرآن وتعود إلى مئات السّنين قبل الإسلام، ولم تصل إلينا بالدّقة والحرص الّذي وصلت به النّصوص الدّينيّة، إلّا أنّهم يدافعون عنها دفاعا مستميتا، بينما تراهم يناصبون الدّين ونصوصه العداء بحجّة أنّها غير صحيحة، ولا يعترفون بها، فيقبلون آراء سقراط وأفلاطون وأرسطو، ويبنون عليها المؤلّفات والرّؤى، ويشكّكون في النّصوص الدّينيّة، ويتّهمون العلماء الّذين بذلوا أقصى الجهد والطاقة في الحرص على نقل الصّواب من الحديث وأمور الدّين، ويتفنّنون في اختراع نظريّات الشّكّ، فقط لأنّهم لا يريدون الدّين، وكان بإمكانهم الإلحاد دون كلّ تلك البحوث الخاوية من المعنى.

لا شكّ في أنّ هناك شعراء مفكّرون، يستحقّون الاحترام والتّبجيل، فهم فلاسفة، أفاضوا في البحث والتّنقيب والمناقشة، وتوصلّوا إلى ما توصلّوا إليه من أفكار وقناعات، وهؤلاء قلّة قليلة ونادرة، ولكنّ الأكثريّة الّتي عليها شعراء اليوم ما هم إلّا كائنات لا تحسن التّفكير، ولم يوظّفوا هذه الجوهرة الممنوحة لهم، وظنّوا أنّ حفظ مقولة من هنا أو من هناك في جلسات أمثالهم العابرة، تجعلهم يحصلّون طريقة مثلى للتّفكير. إنّهم كما قال المثل: ضغث على إبّالة، ليس أكثر، ومن كانت هذه حاله، من عدم امتلاك أسس التّفكير الصّحيحة والسّليمة، لن ينفعوا الشّعر ولا الشّعراء، ولن يكونوا إلّا كإضافات الصّفحات الفارغة في سجل الإبداع، سيأتي يوم ويتمّ التّخلص منها في سلّة المهملات.

وأخيرا، لا بدّ من توضيح مسألة مهمّة، أنّ لكل إنسان الحقّ فيما يعتقد أو يرى، ويجبّ ألّا يحاسب أحد أحدا على اعتقاد اعتقده، ولكن من حقّ الآخرين المخالفين لهم، أن يقفوا منهم موقف العداء والرفض لما يحملون من ترّهات لا يسندها فكر، وما هي إلّا الأباطيل، ورجم من الوهم المفضي إلى العدم. وليس في هذا التّوصيف السّابق مصادرة لحقّ الاختلاف كما قد يدّعي البعض أو يتوهّم، ولكن لا بدّ من أن تكون على علم بما تقول، وألّا تكون كما قال الشّاعر:

يقول ما قالا له
 

كما تقول الببّغا
  

رسالة أخبارية

قم بأضافة بريدك الالكتروني كي نرسل لك الاخبار و المواضيع حال نشرها

134 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع