الأربعاء, 11 كانون2/يناير 2017 02:49

كیف تكون السیاسة فی خدمة الشعب ولیس العكس؟ - د. عبدالباقی مایی

قيم الموضوع
(0 أصوات)

 

كیف تكون السیاسة فی خدمة الشعب ولیس العكس؟

تحلیل نفسی-إجتماعی للأوضاع الراهنة فی كردستان

 

د. عبدالباقی مایی

كنیڤستا-السوید

٦\١\٢٠١٧

 

حسب علماء الأنثروپولوجیا لایزال المجتمع الكردستانی یعیش فی مرحلة الأسطورة (١)*. فحتی التدین فی كردستان تكیف للشروط النفسیة والأجتماعیة فی هذه المرحلة من التطور الأجتماعی لكی یستطیع هذا المجتمع أن یهضم الدین ویجعله مقبولا من قبل أفراده و شرائحه. لذلك نری بأن التصوف كان ولایزال الهیكل المناسب لإحتواء الدین و نشره و ترسیخه فی كردستان. وحسب مراحل التطور الأجتماعی وفق هذا العلم یجب أن یمر كل مجتمع بهذه المراحل المتعاقبة من أجل بلوغ النضوج النفسی والأجتماعی الضروری للمجتمع. ففی كل مرحلة من مراحل التطور الإجتماعی لن یكون التطور متناسقاإذا لم تكن القابلیات الفردیة والجماعیة خلاقة للإنتاج الذی یغطی الأكتفاء الذاتی إلی حد كبیر، سواءاكان هذا الإنتاج زراعیاأو صناعیاأو إجتماعیاأو ثقافیاأو صحیاأو سیاسیا”…الخ.

كان المجتمع الكردستانی حتی ستینات القرن الماضی ینتج معظم آلیات معیشته لبلوغ الأكتفاء الذاتی عندما كان الفرد مجهزابالقناعة النفسیة فی ظل الحكم الغیبی المتعلق بمرحلة الأسطورة (٢)*. فالأمیة كانت شاملة و مقبولة من قبل الأغلبیة بینما العقیدة كانت راسخة لتأمین ما یكفی لسد الرمق فی حیاة الدنیا التی كانت ولاتزال تعتبر لدی الأغلبیة فی هذا المجتمع بأنها فترة تجریبیة قصیرة لتأمین الحیاة الأبدیة بعد الموت لیس إلا (٣)*. هذه المعتقدات أدت ولازالت تۆدی إلی رضوخ فكرة البهلوان القاهر المتمثل فی طیف شخص لازال یعتبر مقدسامن قبل مۆیدیه ومعتصمامن الأخطاء ویستحق أن یموت الإنسان فی سبیل الدفاع عنه. فهذا الشخص القائد الرائد الزعیم الأوحد لازال رمزالكل شئ جید ولایمكن وصفه بعدم المقدرة علی أی شئ لأن ذلك یجرح مشاعر مریدیه ویزعچ مۆیدیه إلی درجة قد تۆهلهم للقتال والفداء بالروح لهذا الرئیس أو ذاك لیسجل بعد ذلك فی سجل الشهداء فیكسب المجد والخلود تماشیامع مرحلة الأسطورة، أو یحصل علی المكاسب المادیة التی زاد التفكیر بها والتخطیط لها فی المجتمع منذ تأسیس أقلیم كردستان العراق و إستیراد السلطة الكردیة فی الأقلیم للمفاهیم و المواد والمستهلكات من الخارج المتمدن.

ماذا جری فی الجتمع الكردستانی من تفاعلات نفسیة-إجتماعیة نتیجة للإصطدام الثقافی بین القیم المستوردة من الخارج المتمدن و الضوابط التقلیدیة للمجتمع الذی یعیش فی مرحلة الأسطورة؟ لكی نفهم هذه التفاعلات علینا سرد بعض الأمثلة من الواقع:

١- تجربة الحكم الفاشل فی كردستان العراق: تفشی الفساد السیاسی والإداری بین قیادات الأحزاب الكلاسیكیة نتیجة عدم كفائتها فی إیستیعاب دورها الجدید فی إدارة سلطة الأقلیم بعد أن كونت مشوارها المهنی فی الكفاح المسلح جعل هذه السلطة أن تستعبد الشعب بدلا من أن تخدمه، حیث تم تقسیم الموارد والرواتب والأملاك مناصفة بین الحزبین الرئیسیین فی السلطة وتكرمهم فی أحسن الأحوال علی البعض من المواطنین بمحاسنهم ولكن فقط فی إطار نفوذ هذین الحزبین. وهذا أدی بدوره إلی نشر نوع من التقلید والمنافسة الغیرشریفة للحصول علی المحاسن والتكریمات التی تم توزیعها من قبل أصحاب النفوذ من الحزبین الرئیسیین فی السلطة (٤)*.

٢- ظاهرة حرق الإناث فی المجتمع الكردستانی: كانت ولاتزال قیم الشرف والأدب والطاعة والأحترام فی المجتمع الهرمی الكردستانی تجری تحت سیادة الذكر علی حساب الأنثی فی ظل النظام الجماعی السائد فی هذا المجتمع. عندما إزداد وعی الأنثی فی كردستان نتیجة لأطلاعها المتزاید علی حقوقها وإندفاعها فی المطالبة بهذه الحقوق، تنرفز الذكر وتعاند علی تسلطه علی الأنثی مما أدی إلی زیادة العنف ضد الأنثی لكبح جماحها، وأدی ذلك إلی زیادة مطالبة المرأة بحقوقها فتولد حلزون العنف الذی فی كثیر من الأحیان إنتهی بمآسی وأحداث تراجیدیة مۆسفة فقدت فیها الأنثی حیاتها إما بالإنتحار أو بالحرق لإخفاء جریمة قتلها من قبل أقربائها فی كثیر من الأحیان. فعلی سبیل المثال كان الحرق سبب الوفاة لدی أكثر من ٥٠% من الإناث و أقل من ٥% من الذكور فی تقاریر الطب العدلی  لسنة ٢٠٠٥ و ٢٠٠٦ و ٢٠٠٧ فی كل من محافظات السلیمانیة و أربیل و دهوك(٥)*.

٣- تفشی ظاهرة الأستسلام والبطالة المقنعة والكسل السائد وعدم الشعور بالمسۆلیة فی المجتمع بعد أن تم توفیر الأرزاق وتقدیم الخدمات المجانیة من قبل المنظمات الغیرحكومیة وفق سیاسة النفط مقابل الغذاء(٦)*، وكذلك نتیجة لتعامل الأحزاب مع المواطنین بتعیینهم شكلیا فی وظائف الدولة وصرف رواتب تقاعدیة لهم من خزینة الدولة دون أن یعملوا فی أجهزتها .

٤- إعادة تقییم السلوك السلبی كالتملق والكذب والخداع لتصبح محل مدح وإعجاب تحت ظل المحسوبیة والمنسوبیة فی عملیة إستعمال الواسطةلتمشیة المعاملات لدی سلطة الأقلیم بعد أن كانت تلك الصفات من دواعی الخزی والعار فی المجتمع الكردستانی. وهذا مایحدث عادة فی الجتمعات المتأخرة التی تستورد الأنتاج الحدیث من الدول المتمدنة التی صنعت هذه المنتوجات بإبداع أفرادها و حسب حاجات مجتمعاتها ولیست لتلبیة مطالب وحاجات المجتمع المتأخر. هذا مایولد ظاهرة تسمی فی العلم الحدیث بظاهرة التطور الأجتماعی السریع (٧)*.

أذا ألقینا نظرة علی ممارسات و مواقف الأحزاب السیاسیة فی أقلیم كردستان العراق نجدها تعكس هذه التفاعلات النفسی-إجتماعیة المذكورة أعلاه لكونها تتكون من نخبة من أصحاب النفوذ تكونت خلال فترة الكفاح المسلح للحركة التحرریة فی كردستان. ففیها ممثلو الإقطاع والآغوات والشیوخ وورثائهم فی المجتمع العشائری الكلاسیكی الموازی لمرحلة الأسطورة فی تطوره الإجتماعی، ومنها من إرتقی إلی المناصب بالتملق والتحایل والخداع فی ظل المحسوبیة والمنسوبیة  و الفساد السیاسی الذی تم تطبیقه ولازال یطبق من قبل الأحزاب السیاسیة الكلاسیكیة فی كردستان لكونها تستند علی مرحلة الأسطورة فی قیمها الإجتماعیة و شخصیتها المنقسمة بین النوستالجیا والإرتیاب النفسی. فهذه الأحزاب تعتمد بطبیعتها علی السلطات المحتلة لكردستان والقوی العظمی المساندة لها لتنفیذ المشاریع والمخططات التی تناسب مصالحها وتحصل بذلك علی مصادر القوة والمال والسلاح لكی تبقی محتفظة بكرسی الحكم والسلطة بینما تستعمل هذه الأحزاب آلات و أدوات ومستهلكات مصنوعة من قبل المجتمعات المتقدمة كما ذكرنا أعلاه. فهذه السیاسة تبقی غیر ملائمة للمجتمع الكردستانی مادامت تستعمل منتجات المجتمعات المتطورة وهی بطبیعة تكوینها غیر قادرة علی صنع إنتاجها الخاص أو إنشاء المۆسسات أو تشجیع المواهب أو الإبداع فی الأنتاج المحلی لتلبیة حاجات الشعب. أما الخطوات الفردیة التی وجدت محلها فی بناء المجتمع خلال فترة حكم هذه الأحزاب فی أقلیم كردستان العراق مثل تدریب الكوادر العلمیة والفنیة فی الداخل والخارج، إنشاء الفرق والمراكز العلمیة والمهنیة والفنیة بمبادرات فردیة معظمها خارج نطاق السلطة وكذلك تبادل الزیارات العلمیة و إنشاء المشاریع المشتركة مع الأجهزة والمراكز العلمیة فی الخارج كانت السبب الرئیسی لتلك النجاحات التی تشاهد فی القطاعات المختلفة فی المجتمع خارج نطاق السلطة الحاكمة. وكذلك نجد تدهوراتدریجیافی الوضع الأجتماعی والإقتصادی لدی عامة الشعب بعیداعن الترف الذی تعیشه الطبقة الحاكمة فی كردستان العراق

كیف للمجتمع الكردستانی إذاأن یجد الطریق المناسب لإنقاذه من المحنة النفسیة-الإجتماعیة التی أوقعته فیه القیادة السیاسیة الكلاسیكیة بین الماضی البدائی الذی یتفق مع مرحلة الأسطورة فی تطوره  وبین العیش المصطنع المستوردة آلاته وأدواته من العالم الخارجی المتمدن و المتقدم علیه بعدة مراحل وعقود؟ أین توجد سیاسة مناسبة فی كردستان تنبع من أحلام وأمال و طموح و حاجات شعب كردستان المضطهد منذ قرون والمقسم علی ثلاث قومیات كبیرة ناهضة لكی یسترجع طاقاته ویستجمع قواه لیشاور ممثلی هذه القومیات الأخوة الأعداء = عادل إماملیطمئنها علی الكف عن سیاسة الإحتلال الفاشیة والشوفینیة و تكون بدلامن ذلك علاقات جدیدة بناءة مبنیة علی المصالح المشتركة و الأحترام المتبادل و التعایش السلمی لكی تكفل بتوفیر الحقوق وضمان الواجبات لجمیع أفراد الشعب لیعیشوا ویتعایشوا بحریة و سلام و أمان؟ ماهی تلك السیاسة التی تخدم مصالح الشعب بدلا من إستعباده وتبحث عن طموحه وآماله بدلا من التشكك بقدراته و إتهامه بالعمالة وأن تتعامل مع الواقع لكی یتفادی الشعب الوقوع فی كوارث أخری من الحروب والصراعات الهدامة فی الداخل والخارج؟ ماهی المۆشرات الإیجابیة للحركات الجماهیریة والشعبیة التی أثبتت وجودها فی الساحة الكردستانیة بجمیع أقسامها وأظهرت قدرتها علی لم الجماهیر من الإناث والذكور فی جمیع مكونات الشعب؟ متی یتمكن الشعب فی كل بقعة من أرض كردستان أن ینتخب لجانه من جمیع مكونات الشعب فی تلك القریة أو المدینة أو المنطقة التی تحررها الجماهیر المناضلة والواعیة والمخلصة فی إعتبار مصلحة الشعب فوق أیة مصلحة أخری شخصیة كانت أم حزبیة أم أجنبیة؟ ماذا ینقص هذ الشعب من مستلزمات العیش الحر ومقومات الحیاة السعیدة إذا تكاتفت قواه فی شخصیة قویة موحدة تتكون من آراء مختلفة ومعتقدات متباینة وشرائح متعددة تلم أجزاءها المتناثرة فی وطن مشترك یتم بناءه علی أعمدة الثقة بالنفس و إحترام الرأی المخالف والإعتماد علی الطاقات الذاتیة لتوفیر الخدمات بصورة عادلة وحل المشاكل بطرق سلمیة لكی یتمتع الشعب بالعز والأمان؟ كیف یتم الوقایة من الفكر المتطرف والشخصیة الضعیفة المبنیة علی الخوف والخجل والخطیئة لكی نتفادی تكرار الوقوع فی مكالب المصالح الأجنبیة وإستغلالها لنا فی تدبیر الحروب وتكلیفنا بتنفیذها فتجلب لنا الكوارث والدمار؟!

 

یمكنك الأجابة علی هذه الأسئلة إذا تجردت من النظرة الحزبیة الضیقة و أمعنت النظر بجدیة فی الواقع السائد حالیافی جمیع أجزاء كردستان. رأیك مهم وإن خالف رأیی، و مشاركتك ضروریة فی العمل من أجل توحید الوطن والشعب والقوی فی كردستان.

     

*یمكن طلب قائمة المصادر من المۆلف.

 

قراءة 842 مرات آخر تعديل على الأربعاء, 11 كانون2/يناير 2017 10:13

2 تعليقات

  • تعليق نافع ناجي مائي الثلاثاء, 24 كانون2/يناير 2017 17:31 أرفق نافع ناجي مائي

    اشاطرك في الرأي اخي الفاضل : قصتنا أصبحت كقصة الذي جمع الذهب ثم ذهب ولا يستوجب أن نستعمل نظرية. إن لم تكن معي فأنت ضدي . ولا يوجد هناك إنسان كوردي لا يريد الخير لكوردستان وان تصبح دولة كبقية دول العالم . ولكن الحقيقة مرة ولا يوجد لدينا شجاعة أن نواجه حقيقتنا . فالجميع يعلم جيدآ ما مدى هشاشة بنياننا الهزيل و المبني على الاحلام . ولكن البعض يريد أن يحمي مصالحه الشخصية المريضة و يدافع عن الخطاء المرير و هولاء هم من يندسون السم في جسد الإنسان الكوردي ليستفيدوا من النعم و يتمنوا للاخرين النقم .

    لكم مني أطيب المنى
    نود لكم النجاح في عملكم / نافع مائي
    ستوكهولم 24/ 1 / 2017

    تبليغ
  • تعليق  شيرزاد زين العابدين الأربعاء, 11 كانون2/يناير 2017 20:31 أرفق شيرزاد زين العابدين

    إطلالة موفقة أستاذ عبدالباقي وتحليل صائب ، تحياتي وأرجو لك الموفقية ودوام الصحة ٠

    تبليغ

رأيك في الموضوع

تأكد من كتابة جميع المعلومات, المؤشر بالعلامة (*). HTML أرقام غير مسموحة.