الأربعاء, 11 كانون2/يناير 2017 03:20

 التنمية البشرية .. وتجاوز مرحلة التشوه- صالح كيلو نعسان

قيم الموضوع
(0 أصوات)

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.               

 

  بداية؛ لن أخوض في مجال الباراسايكولوجيا para psychology (ما وراء علم النفس) لكوني لا أريد الكتابة عن الحالة التراجيدية المتشابكة للكرد، وعن ماذا ينتظرهم حتى في المستقبل غير القريب، فالمأساة تمتد بجذورها إلى عمق التاريخ الذي كرَّس وضعاً أزلياً لشعب مقهور منذ ما قبل عصر عملاق الشعر الكردي أحمدي خاني، الذي جسَّد الجانب المأساوي في ملحمته (مم وزين)، وعبَّر من خلال شخوصها فرداً فرداً، ومن خلال المجموعات الكردية آنذاك، بشفافية منقطعة النظير، عن وضع شعب يعيش بأكمله حالةً من القهر السايكولوجي المزمنة، وأنهى الملحمة التي هي بحد ذاتها مثيولوجيا شعبية كردية قديمة قدم هذا الشعب، قامت بوظيفة الحامل الشفاهي الأزلي لمأساته، بطريقة تراجيدية، لكي يوحي كمثقف متنور لا حول له ولا قوة سوى تجسيد تلك البكائية الشعرية، ويبيَّن بأن نهاية هذا الشعب ستكون كنهاية أبطال الملحمة، ما لم يرسم له مثقفوه طريق الخلاص

  القارئ للوضع الكردي في سوريا حالياً يجد شعباً بسيطاً طيباً مغلوباً على أمره، مضحياً إلى أبعد الحدود لدرجة أنه على استعداد لتسليم أطفاله الذكور والإناث إلى شخص سياسي مهتم بالشأن الكردي، إذا قرأ على مسامعه البعض من طلاسم "المقدس السياسي"المنتهي الصلاحية منذ أمد بعيد. ومؤسسات سياسية تعيش عصر الخمسينات من القرن الماضي، تبنت من الفكر السياسي كل ما تجاوزه الواقع، الستالينية وشكلها المتهور(الغيفارية) مثلاً. بعد أن أطلق عليها رصاصة الرحمة صديق غيفارا الأقرب، الصحفي والمفكر الفرنسي ريجس دوبرييه في كتابه ثورة ضمن الثورةمنذ السبعينات من القرن الماضي.

   هذه المؤسسات التي هي نتاج ثقافة مدارس الفقه الديني، وتكايا التصوف الشعبي، وبقايا التقاليد القبلية، وخلاصة فكر أيتام الستالينية ومفرزاتها، من أحزاب وديكتاتوريات توليتارية، لعبت وتلعب حتى الآن لعبة البحث عن الذات وليس لعبة السياسة، لذلك فهي مهددة أن تنزلق إلى المراهنة على المنطقة الكردية في سوريا كلها، وإلاّ ما معنى أن تضيع مدينة مثل كوباني خلال أشهر، ويهجر سكانها في عدّة أيام لتتهدم المدينة بالكامل، وينعدم من يفكر ببناء ما تبقى فيها من بشر أو حجر.

     لقد رُشحَت مدينة كوباني وريفها لتكون مركز تجارب لسحق داعش بعد أن أطلقت المخابرات المركزية الأميركية تسمية مصيدة الذبابعلى سوريا، وقبل ذلك كانت المنطقة قد أفرغت من الشباب نتيجة سياسة النظام السوري وسلوك بعض الأحزاب الكردية بعرقلة حراك الشباب المندفع للتظاهر في فترة الاحتجاجات السلمية، وفرض التجنيد القسري على الفئات العمرية المختلفة، وهيمنة عصابات تجار الحرب على المراكز الحيوية في المدن الكبيرة تحت شتى الشعارات والأسماء الوطنية البراقة والدينية المقدسة، وانتشار الفوضى العارمة على مساحة سوريا كلها، بعد تحول الثورة من الحراك السلمي إلى المقاومة العسكرية، ومنع الأطراف ذات المصلحة، القادة العسكريين المنشقين من تنظيم العمل المسلح، وحجزهم وعائلاتهم في مخيمات اللجوء. ثم انغلاق الطرقات بالتدريج نتيجة نهب المسافرين من قبل العصابات المحتمية بالشعارات المقدسة، وزيادة احتمالات القتل المجاني أو السجن أو الاختطاف ومصادرة السيارات و"السلبطة"على المستلزمات الشخصية. بحيث أدى كل ذلك إلى انعدام الحد الأدنى من سبل العيش، واقتناع الشباب المتحمس بأن الثورة تأخذ اتجاهاً خاطئاً في أهدافها وسلوكها، وأن الهجرة قد باتت ضرورة قصوى.

   في البداية هاجر حوالي  30% من الشباب إلى كردستان العراق وحوالي  10% إلى تركيا هرباً من التجنيد القسري والسلوك غير السوي من قبل عناصر أمن النظام وأسايش حزب الإتحاد الديمقراطي. لكن الهجرة الكبيرة والشبه شاملة حدثت بعد تحرك داعش باتجاه كوباني والتهديد باحتلالها... لقد دخل إلى تركيا خلال ثلاثة أيام حوالي 270 ألف شخص وفي الأيام التي تلت هاجر باقي الأهالي بالكامل مع القليل من آلياتهم، وتوزعوا في المحافظات المتاخمة للحدود السورية.

    في فترة الحرب ودخول داعش إلى كوباني لم يبدأ القصف الأمريكي إلا بعد احتلال أكثر من نصف المدينة. وكانت النتيجة دمار حوالي 40% من مساحة المدينة بشكل كامل وتضرر حوالي25%  من مساحتها بحيث لم تعد صالحة للترميم والسكن، فضلا عما رافق ذلك من تدمير في البنية التحتية، بحيث انعدمت الكهرباء والماء والصرف الصحي وكل أنواع الاتصالات وطرق المواصلات، وخسرت الناس موسميين زراعيين. إضافة إلى انعدام كل أنواع التربية الحيوانية، وانهيار جزء من المدارس وعدم تمكن الباقي من القيام بوظيفتها التعليمية لعدم وجود الكادر التعليمي، وامتناع وزارة التربية عن تحمل مسؤوليتها، فضلاً عن إصرار حزب الإتحاد الديمقراطي في المضي على إجراء تجاربه الطوباوية على المناهج التعليمية. وفرض شعاراته السياسية على الطلاب ومحاولة القيام بعمليات "غسيل الدماغ"للطلبة الصغار في العمرالخ

   بعد هزيمة داعش عاد عدد لا بأس من العائلات إلى كوباني باستثناء أبنائهم الذين كانوا في عمر التجنيد القسري من الشباب والبنات، وكان عدد العائدين إلى المدينة في تزايد. إلاّ أن المذبحة التي حدثت في ليلة ليلاء (ليلة الغدر 25/6/2015) والتي كانت ضحيتها أكثر من ثلاثمائة شهيد، قلبت الوضع إلى العكس فرجع البعض إلى تركيا، وبدأت العائلات تغادر إلى أوربا لأن اليأس سيطر على الجميع بعد تلك المذبحة التي لم يوضح الإعلام بشكل كاف حتى أسبابها وبقيت الجهة الفاعلة غامضة أو رهن القيل والقال. ووفق التقديرات القريبة إلى الواقع وإن كانت غير موثوقة بشكل كاف فإن عدد المهاجرين من المجموعات الفاعلة والطاقات العلمية في كوباني يقدر بـ65%  إلى 75% من هذه الفئة أما باقي الفئات فتقدر بحوالي 15% إلى 20%  من عدد السكان . في الجزيرة اعتقد أن العدد يوصل إلى  نصف أرقام كوباني وفق تقديرات أهل الجزيرة . مع الانتباه إلى أن الأرقام غير دقيقة بشكل كاف.

   في مجال إعادة الإعمار لم تأت أية جهة دولية "جادة"إلى كوباني وحتى لم تطرح هكذا مشروع من أساسه، كل من أتى لغاية الإعمار كانت بضع مؤسسات أو جمعيات أتت إما لغاية الدراسة أو لغايات أخرى لا نعرف كنهها على وجه الدقة. وقد طرحت تلك المؤسسات بعض الأفكار وأبدت استعدادات متواضعة لم تستطع الجهة التي تدير المدينة حسن التصرف معها بل وحتى الاستفادة منها. وكل ما وصل إلى أهل كوباني سواءً في تركيا أو في كوباني نفسها من مساعدات غذائية وزعت على طريقة المثل الشعبي (من هالك إلى مالك إلى قباض الأرواح).

   استميح القارئ عذراً، فقد قرأت حالتنا التاريخية من خلال الخاني، وواقعنا الراهن من خلال الإشارة إلى البناء الفكري منتهي الصلاحية للمؤسسات السياسية، أملاً في بناء مستقبل أفضل يؤسس له الأكثر وعياً وإخلاصاً، وهو المثقف المسلح بأقصى درجات العقلانية العلمية، والتفاني، والشجاعة. لأن المهمة صعبة جداً، وليس من أمل في حلها إلاّ إذا تصدى لها هذا المثقف. لكن قبل تحميل هذا المثقف بأية أعباء تتجاوز طاقته الكامنة، علينا الخوض في مجال الأدوار التي مرَّ بها، والبرامج العلمية التي تلقاها ومستوى المناهج التي دُفعَت قصداً باتجاه التسطيح والتبسيط .

   لقد هيمنت على المدارس مؤسسات كانت الغاية منها فرض العقلية العسكرية وترويض صغار العمر من بداية أعمارهم على تقبل المفاهيم الشاذة التي تكرس الجهل والتبعية وتنبذ كل ما هو عقلاني وممهد لتلقف العلوم. من طلائع البعث إلى شبيبة الثورة إلى الفتوة إلى المعسكرات الجامعية إلى سنوات من خدمة العلم إلى التعويد على ممارسة البيروقراطية في الوظائف الحكومية إلى الخضوع التام للعقلية العسكرية وسيطرة الأجهزة الحكومية.

   في الجامعات وضع الجميع تحت المراقبة بما في ذلك المدّرسين والأكاديميين ومورس بحقهم كل أنواع الإزعاجات حتى ترك أكثرهم التدريس. ولعبت المحسوبية والرشوى دوراً كبيراً ليستلم بدلاً عنهم خريجي الجامعات التي كانت تبيع الشهادات بالكيلو غرام.

   في الشارع سيطرت أجهزة البوليس السري على كل مناحي الحياة، حتى أصبح كل مواطن معرضاً للشك، ومجالاً للاتهام بشتى الجرائم التي لم يرتكبها، وصارت الضمائر تباع وتشترى بالأرخص. وبالتدريج هيمنت شتى الأمراض النفسية الفردية والجمعية، ففي القاع الشعبي انحصرت القيم الحضارية، وهيمنت الشعوذة كنتيجة لهذا الواقع اللاعقلاني الذي كرس حالة النكوص والعودة إلى حلم الطفولة الطوباوي. وصار رجل الدين الأمّي الذي لا يملك إلاّ رأساً محشواً بالخزعبلات، تعلوه لفة أنيقة، ومستلزمات الشغل المؤلفة من جبة مكوية، ولحية ممشطة، وكشكول أنيق، مرشداً عاماً للمجتمع. وفي المراتب الأعلى من الوعي وكنتاج للمراحل المعقدة والمتداخلة من التعليم الذي خططت له العقلية البيروقراطية، تدرجت الأمراض النفسية والاجتماعية اعتبارا من العصاب القهري ووسواس التكرار والشيزوفرانيا، وليس انتهاءً بالسادية والبارانويا (مرض العظمة) . فصار المثقف يعيش حالة الاستلاب (الغربة) والانسلاخ عن المجتمع والضياع، وبالتالي الانتكاس إلى مراحل الطفولة (الحلم) أو اللجوء إلى الاستعلاء على مجتمعه (بداية البارانويا)، أو ترجمتها أحيانا إلى الهروب منه (الهجرة).

وكنتيجة لكل ما حدث وفي طريق السعي إلى الخلاص، انقسم المجتمع إلى فئات، ففي القاع برزت فئات عديدة، الفئة الأكثر يأساً والأكبر بالعمر رأت خلاصها في الدين، والأقل يأسا والأصغر سناً آمنت بالحل العنفي، وفئة ثالثة دمجت الحلين السابقين كطريق للخلاص.

   وانقسمت الدراسات الجامعية إلى جيدة وأقل جودة، وتدرجت حتى الأسوأ. لكن ومع الأسف الشديد فقد أتى هذا التقييم وفق معيار العلم الأكثر جمعاً للمال، وكانت وراءه توجيهات البعث، وإرادة الأمن والعسكر، ومساهمة الطبقات الجاهلة من المجتمع. وبهذا الشكل تحول قطاع المثقفين إلى شبيه بقطاع الأمن والعسكر، فالرتب تأتي وفق الشهادات التي تدرّ المال، ومانح الرتب هو المجتمع الذي تعرض لعملية غسيل دماغ على مدى عقود.

   في مجتمع البعث الذي أقّر لنفسه قيادة الدولة والمجتمع، أُلغيَ دور المحامي حامل الشهادة الأكثر تقديراً في العالم لأنه المدافع الأول عن القانون والدستور، والواقف بصلابة في صف توازن المجتمع وحقوقه، وَحُصرَت العلوم الإنسانية في مجال التدريس فقط. وبالتدريج أُلغيَ منها كل علم يمت بصلة إلى النقد السياسي والمجتمعي والعلمي. فالفلسفة التي انبثقت منها كل العلوم بعد حوارات منطقية وعقلانية طويلة حول قوانينها. وبعد وصول تلك القوانين إلى درجة كافية لتفسيرها. لقد أًلغيَت الفلسفة في منتصف الثمانينات بدون الإعلان عن ذلك، والعذر الأقبح من الذنب أن جهابذة الفكر البعثي كانوا يدَّعون مرةً بأنها أُدخلت بين مواد قسم علم الاجتماع ومرةً أخرى بين مواد كلية التربية التي وظيفتها فقط تدريس علم النفس التربوي الذي لم يصل حتى الآن لدرجة النضوج كعلم مستقل في الجامعات المحترمة، والذي أُخرجَ عنوة من الحوارات الفلسفية في جامعة مثل جامعة دمشق قبل نضوجه بقصد التستر على جريمة اغتيال الفلسفة ومحاولة البعث التخلص من هذا العلم الذي يمارس النقد العقلاني منذ بداية تدوين الفكر البشري بفضيحة مجلجلة سيستمر دويها مسموعاً إلى الأبد وذلك بضم الفلسفة التي هي أم العلوم إلى كلية لم يعترف علمياً بثباتها أمام الحوارات العلمية. الكارثة هنا أن فكر حزب ميشيل عفلق الفلاحي المنبت لم يستطع تحمل وجود علم كانت وظيفته منذ ما قبل عصر أفلاطون وحتى الآن نقد الدوغماتية، وتقويم المقدس، ورفض المطلق، وتكريس النسبي في العلوم والمجتمع، والسياسة، والأخلاق، والقيم، والفن وكل مناحي الحياة، وفق معاير العقل والمنطق حصراً، لخلق عالم يعج بالحركة والتغيير،فيكون أكثر إنسانية وتحضراً. وبالمقاس نفسه فقد تحول التاريخ إلى علم يهتم فقط بتسجيل الأحداث وفق المقاييس التي تحددها السلطة . والجغرافيا قد جردت من كل ملحقاتها، وصارت علماً لرسم الخرائطوخريجي اللغات تحولوا إلى ماكينات لإنتاج الشعر الرديء، والنثر الذي يعج بالأغلاط اللغوية.

   شيئاً واحداً بقي مشتركاً يجمع كل خريجي الجامعات، ألا وهو الاستعلاء والمزيد من الاستعلاء على مجتمعهم، وحتى على أقرانهم الجامعين من منطلق أنه الوحيد الذي حصل على شهادة لعلم جامع مانع، لا يأتيه الباطل لا من أمامه  ولا من خلفه كما يقول الإسلاميون، وذلك ليبرر استعلائه الفردي على أقرانه في الاستعلاء الجماعي، إضافةً إلى عشق حب الظهور كترجمة لإصابته بأقصى درجات السادية.

   لقد أنتج البعث هذه الأشلاء البشرية وتلك الولادات القيصرية من المثقفين لأنه كحزب مولود أيام الفاشية والنازية لا يستطيع حكم مجتمع من الأسوياء، إنما تناسبه مجموعات من الرعاع والسوقة والمرتشين واللصوص ليكونوا مواطنين تحت الطلب ومدافعين عن حكم مجموعة غير شرعية أتت من خلف ظهر التاريخ.

   إن الولوج في موضوع متشعب ومعقد مثل التنمية البشرية، مهم للغاية بسبب الحاجة الماسة لمجتمعنا إليه هذا المجتمع الذي عاش ظروفاً قاسيةً جداً في ظل الديكتاتوريات الانقلابية العسكرية التي توالت في عهد الوحدة مع مصر، أو في عصر البعث المتعدد الأهواء والانتماءات، وفي ظروف الحرب التي فقدت فيها سوريا هويتها الوطنية، وسلكت منحىً طائفياً تحت ضغط بعض دول المنطقة الخائفة من وصول وباء الديمقراطية إلى أوطانها، واستماتة الإخوان المسلمين لاستلام السلطة منذ زمن بعيد، وتكالب النظام على هذه السلطة ورفض أي أسلوب يؤدي إلى التخلي عنها، بما في ذلك القوة العارية.

   إن التشوه السلوكي والانحراف القيمي والتبدل الخلقي والعطب الأخلاقي الذي أصاب جزءً كبيراً من المجتمع وخاصة الفئة المثقفة منه هي بمجملها نتاج البرمجة البعثية خلال خمسين سنة، وقد وصلت إلى درجة لا أمل في شفائها، وأنها تحولت إلى ما يمكن أن نسميه مرضاً نفسياً جمعياً. وخاصة وأن هذا المرض قد أصاب المؤسسات السياسية. مما يتطلب تدخلاً سريعا ومتأَنياً يتناول في كل جوانبه كيفية بناء إنسان جديد وفق آخر ما توصلت إليه العلوم الاجتماعية والإنسانية بأسمائها المتعددة . علم النفس بكل فروعه، علم الاجتماع وخاصةً علم الاجتماع السياسي، الأنتروبولوجيا، الإيكولوجيا، وحتى الحقوق، والتاريخ والإعلام. وفي هذا الصدد سأشير إلى تعريف علمين مهمين في مجال التنمية البشرية لأهميتهما أولاً ثم لأن التباساً ما، حدث ويحدث لدى تداولهما في الأدبيات السياسية الكردية كمصطلحات علمية، وخاصة إذا تناولهما بعض أنصاف المتعلمين الذين يحبذون حشر كلمات مذيلة بملحقة logy كدليل على طول باع الكاتب في الكتابة السياسية.

   الأنتروبولوجيا(athropology):(علم الأناسة) المهتم بدراسة الإنسان في بيئته، والأنتروبولوجيا البنيوية بشكل خاص التي تقوم بتحليل بنية المجتمعات في واقعها، وتصنف السلبيات والإيجابيات لتقوم ببناء الإنسان من جديد خالياً من تلك السلبيات فيكون أكثر تحضراً وانسجاما مع بيئته.

   الإيكولوجياecology: علم دراسة تفاعل الكائن الحي وبيئته كوحدة ايكولوجية متكاملة وغير قابلة للاختزال، وتطوير هذه البيئة بواسطة التنمية المستدامة، أي بناءها ليستمر التفاعل الإيجابي بين وحدات هذه البيئة.

    في هذا المجال لسنا بصدد تعداد فروع العلوم الإنسانية التي تتناول التنمية البشرية أو تعريفها، فهي متشعبة وكثيرة. لكن المهم هو النهج الواجب أن يسير وفقه المثقف الذي  يتحلى بالشجاعة والثقافة الكافيين لخوض هكذا معركة، لأن بناء مجتمع سياسي وحضاري بعد التجارب الفاشلة التي استغرقت أكثر من خمسين عاماً كردياً، وتعرض سوريا لهذا الدمار الشامل الذي تناول البنية الاجتماعية والمادية عملية معقدة للغاية. لكننا بالرغم من ذلك نستطيع القول مع  الفلاسفة البنيويين، أن النهج يجب أن يأخذ المراحل التالية بعين الاعتبار:

تحليل البنية الاجتماعية الفردية والجمعية على ضوء قواعد علم الاجتماع وعلم النفس والعلوم الأخرى المساعدة.

إظهار السلبيات والعقبات بعد كل دراسة لتوخي البعض والتوعية بالبعض الآخر، ومعالجة الممكن منها.

إعادة البناء بكثير من التأني من جديد كلما كان ذلك ممكنا بعد نبذ السلبيات التي أصبحت واضحة. وبعد إعادة نظر مطولة في تبديل المناهج التعليمية، على ضوء ما توصلت إليه التجارب البشرية المتقدمة في هذا المجال.

   كان التركيز على الوضع التعليمي وإعطاء الاهتمام لحالة الجامعات في الخمسين سنة من عهد الانقلابات وحكم الطغم العسكرية بكل مؤسساتها ضرورة قصوى، لأن بناء الإنسان السليم يبدأ من المؤسسات التعليمية، وكان تجسيم السلبيات في المناهج التي كرست عن عمد، والأساليب البوليسية في التخطيط لمسارها، ضرورياً لبيان حجم الأمراض والتشوهات النفسية التي أصابت المجتمع بشكل عام، والأجيال التي كانت تتلقى التعليم والمثقفين بشكل خاص، وكيف أنتج ذلك كله مجتمعاً تاه في مجال السياسة وثقافة الحياة وإدارتها، وتخلف عن الانسجام مع العصر، وأوصل الحدث السوري إلى هذا المستوى من التعقيد.  

 

29/12/2016

 

قراءة 35 مرات

رأيك في الموضوع

Make sure you enter all the required information, indicated by an asterisk (*). HTML code is not allowed.